آراء وتحليلات

30/05/2019

التوطين من جديد وضرورة المواجهة

هيثم أبو الغزلان

عند كل منعطف ومحاولة لإيجاد "حل للقضية الفلسطينية"، تبرز قضية اللاجئين الفلسطينيين بقوة، لتكون عقبة كأْداءَ مانعة تصفية القضية الفلسطينية، والتأكيد على وجود شعب مقتلع من أرضه بقوة السلاح والإرهاب الصهيونيين. وما بات يُعرف بـ "صفقة القرن" من أحد بنودها المتداولة العمل على إنهاء قضية اللاجئين، في استمرار واضح للجهود الأميركية والصهيونية لإنهاء هذه القضية، والممتدة منذ ما قبل مشروع "روجرز" في خمسينيات القرن المنصرم، وصولًا إلى المؤتمر الذي سيعقد في البحرين يومي 25 و26 حزيران/ يونيو المقبل، بهدف معلن "التشجيع على الاستثمار في المناطق الفلسطينية"، وكخطوة أولى لخطة "السلام" التي باتت تعرف إعلامياً بصفقة القرن، ما يطرح المخاوف من توطين اللاجئين وتصفية قضيتهم التي تعرّضت باعتبارهم جوهر الصراع لعمليات التنكُّر لحقوقهم، ولمحاولات طمس هويتهم، ورغم ذلك استطاعوا إعادة الاعتبار لها..

فالمخاوف التي طرحها الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله، خلال خطاب متلفز، والتحذيرات التي طرحها وزير الخارجية اللبنانية "جبران باسيل"، تعتبر مخاوف حقيقية بشأن المحاولات الهادفة لفرض التوطين على لبنان. كلام السيد نصرالله الواضح والقاطع هدفه العمل  على منع توطين اللاجئين في لبنان، وضرورة أن يكون هناك تنسيق لبناني ـ فلسطيني لمواجهة هذه المشاريع.

فقضية اللاجئين الفلسطينيين المُقتلَعين من أرضهم وديارهم بقوة السلاح والإرهاب الصهيونيين، تُشكّل جوهر القضية الفلسطينية، إذ لا حل لقضية فلسطين دون عودة اللاجئين إلى أراضيهم وبيوتهم وقراهم ومدنهم التي اقتلعوا منها بفعل الإرهاب الصهيوني. وشكّلت هذه القضية ولا تزال تُشكّل مشكلة حقيقية للقادة الصهاينة الذين عملوا على إنهائها وتصفيتها ضمن مشاريع عديدة، أفشلها صمود وثبات ومقاومة الفلسطينيين.

لقد اثبت الشعب الفلسطيني بمقاومته أن الأرض التي دارت وتدور على رحاها الحرب لم تكن "أرضاً بلا شعب"، وأن كل تحالفات الحركة الصهيونية، وتاليًا الكيان الصهيوني لن تكون قادرة على حسم الصراع لمصلحة هذا الكيان الغريب عن المنطقة. ففكرة تهجير الفلسطينيين من أرضهم تم بحثها من قبل المؤتمر الصهيوني العشرين، ولاحقًا تم الاستناد إلى مقالة "إبراهم شارون" (1930)، التي اعتبرت كأساس فكري قامت عليه المواقف الصهيونية لتفريغ الأرض من الفلسطينيين واستجلاب اليهود من الدول العربية. وفي السياق نفسه، رفض وزير الخارجية في الكيان "موشيه شاريت" (شرتوك)، مطالب الوسيط الدولي للأمم المتحدة "الكونت برنادوت" بعودة اللاجئين الفلسطينيين، وطالب بتوطينهم خارج فلسطين. وفي السياق، جاءت نتيجة الاجتماع الذي عقده مدير الصندوق اليهودي "جوزيف وتيز" مع رئيس الوزراء آنذاك "ديفيد بن غوريون" (5-6-1948)، دعوةً إلى تبني قوانين لمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين، ومساعدة الدول العربية ماديًا لاستيعاب اللاجئين الموجودين على أراضيها. وخلال (1949-1950) وافق الكيان على دفع تعويضات إجمالية للاجئين، وليس على أساس فردي، على أن يُوفّر المجتمع الدولي المبلغ بإشراف دولي. وأبدى الكيان الإستعداد لإعادة 100 ألف لاجئ وتوطينهم حيث يشاء، لكنه عاد وتراجع عن ذلك. واقترح مشروع غربي "ثيكنس" العام 1949، إعادة توطين اللاجئين في سوريا والعراق (ولم يقترح لبنان آنذاك). وفي (1951) اقترح مؤتمر باريس للسلام معتمدًا على اقتراح لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة أن "توافق إسرائيل على إعادة توطين عدد محدد في فئات يمكن دمجها في الإقتصاد الإسرائيلي.. وفي حزيران (1953)، دعا وزير الخارجية الأمريكية آنذاك، "جون فوستر دالاس" إلى دمج اللاجئين في أماكن سكناهم، ومهّد بذلك لمشروع مبعوث الرئيس الأمريكي "ايزنهاور"، "أريك جونستون" الذي زار المنطقة أكثر من مرة في العام 1955، حيث تركزت الطروحات على الجوانب الاقتصادية آنذاك، وتجاهل قضية اللاجئين السياسية، والتركيز على التعاون لاستثمار مياه الأردن.

وفي (1956)، أبدى شاريت استعداد كيانه للنظر بجدية إلى مبدأ التعويض شريطة أن يتم توطين اللاجئين في أماكن لجوئهم. وفي (1965) اقترح "ليفي أشكول"، ثالث رئيس وزراء للكيان، مشروع قرار للكنيست لتحويل أموال للدول العربية التي تؤوي اللاجئين، بغية دمجهم حيث يقيمون مقابل فتح أبواب التجارة أمام البضائع الإسرائيلية في البلاد العربية.

وفي العام ذاته، اقترح الرئيس التونسي "الحبيب بورقيبه" مشروعًا لحل الصراع، تعيد بموجبه "إسرائيل" ثلث المساحة التي تحتلها لتقوم عليها دولة فلسطينية ويعود اللاجئون الفلسطينيون إلى دولتهم الجديدة.

وبعد هزيمة 1967، وجد الكيان نفسه أمام مشكلة ديمغرافية بالمنظور الإستراتيجي، من خلال احتلال باقي فلسطين والسيطرة على مئات الآلاف من اللاجئين؛ ما جعل وزير الهجرة والاستيعاب ونائب رئيس الوزراء آنذاك، "إيغال آلون"، ورئيس دائرة الاستيطان في الوكالة اليهودية "رعنان فايتس"، ووزير الخارجية الأسبق "آبا إيبان"، ووزير الحرب الأسبق "موشي دايان"، يعملون على تقديم اقتراحات لإيجاد مشاريع عملية لحل مشكلة اللاجئين، من خلال تصفية المخيمات، وتوزيع اللاجئين، وتجريدهم من صفة اللجوء، وإعادة تأهيلهم.

وفي تشرين الأول 1994، أعادت حكومة الكيان التأكيد على الموقف من قضية اللاجئين، عبر وثيقة نشرتها، اعتبرت فيها أن مسألة اللاجئين كانت من صنع الدول العربية، وأن عدد النازحين في حربي 1948 و 1967 أقل بكثير مما يقوله العرب، وأن تعريف اللاجئ وفق قرار الأمم المتحدة (194) كان غير دقيق ومختلفًا عن التعريفات الدولية الأخرى لماهية اللاجئ!!

وفي 1997 تبنى نواب أمريكيون بضغط من اللوبي اليهودي الطرح الذي تقدّمت به المحامية اليهودية الأمريكية "دونا آرزت"، حيث تم اقتراح أن يتم توطين 35 ألف لاجئ فلسطيني في البلاد العربية، خاصة في دول الخليج، لمدة عشر سنوات، وبحساب الرقم تراكميًا يتعدّى العدد مليوني شخص..

وتوصّل حزبا العمل والليكود إلى موقف مشترك من قضايا الحل النهائي، عرفت بـ "خطة اتفاق وطني حول مفاوضات الوضع الدائم مع الفلسطينيين"، أو وثيقة "بيلين ـ إيتان"، وتضمّنت الوثيقة "الاعتراف بحق إسرائيل في منع دخول لاجئين فلسطينيين إلى مناطق تقع داخل سيادتها"، وأن "السلطة هي محور استيعاب كل شخص داخل أراضيها"، وإنشاء منظمة دولية تلعب فيها "إسرائيل" دورًا محوريًا "تستهدف تحويل وتطبيق خطط التعويض وتأهيل اللاجئين في أماكن سكناهم، وفي الوقت ذاته تبحث هذه المنظمة مطالب إسرائيل بالتعويضات لمصلحة اللاجئين اليهود في دول عربية". وذكرت الوثيقة أن "إسرائيل والكيان الفلسطيني، كل واحدة في مجالها، تعمل على تأهيل اللاجئين على قاعدة حل وكالة الغوث "الأونروا"، وإلغاء مكانة اللاجئ، وترتيب سكن دائم وخلق فرص عمل بمساعدات دولية".

تطابق التصور الأمريكي الذي تقدم به الرئيس "بيل كلينتون" في شهر كانون الأول 2000، مع التصور الإسرائيلي لحل قضية اللاجئين، وفق مُحدّدين أساسيين:

أن يعترف الجانبان بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى فلسطين التاريخية، أو يعترف الجانبان بحق اللاجئين في العودة إلى وطنهم. ويحدد الاتفاق تنفيذ هذا الحق العام بطريقة تتوافق مع الحل القائم على أساس الدولتين، وهناك خمسة أماكن محتملة للاجئين هي: دولة فلسطين، مناطق في "إسرائيل" ستنتقل إلى فلسطين ضمن تبادل الأراضي، إعادة تأهيل في الدول المضيفة، إعادة توطين في دولة ثالثة، الإدخال إلى "إسرائيل".

وبعدها كرّت سبحة مشاريع هادفة إلى إيجاد "الحل" للقضية، ومنها: "وثيقة "أبو مازن – بيلين" (30-10-1995) التي لم ينشر نص رسمي لها، لكن الأمريكيين والإسرائيليين أكدوها، و مشروع "نسيبة - آلون" (9-6-2002)، و"مبادرة جنيف – البحر الميت" (1-12-2003)، وغيرها من المشاريع التي يطول ذكرها وتصب في اتجاه إنهاء القضية وتصفيتها.

إن النظرة "الإسرائيلية" إلى قضية اللاجئين تستند إلى أبعاد سياسية وأيديولوجية واقتصادية وأمنية، وتهدف إلى رفض حق العودة للاجئين وتوطينهم حيث يقيمون. ورغم أن هناك إجماعا فلسطينيا ولبنانيا رافضا للتوطين، لكن هذا يتطلّب خطة عملية مشتركة فلسطينية ولبنانية وعربية لمواجهة التوطين وفرض تصفية القضية الفلسطينية. وأولى هذه الخطوات: التمسك بالهوية الفلسطينية، والوجود الفلسطيني في داخل فلسطين وخارجها، والحفاظ على المخيمات الفلسطينية باعتبارها شاهدًا على استمرار الصراع ضد الاحتلال، والتأكيد على القرارات الدولية التي تؤكد الصفة القانونية للاجئين وحقهم في العودة.

من الواضح أن المشاريع العديدة التي طُرحت سابقًا لتصفية قضية اللاجئين قد فشلت، وانطلاق مسيرات العودة على تخوم قطاع غزة في 30 آذار 2018 واستمرارها، وتمسك اللاجئين بالعودة هي دلائل إيجابية على صوابية الحق الفلسطيني الذي يطرح من جديد ضرورة خلق بدائل واقعية لمواجهة مشاريع التوطين وتصفية القضية الفلسطينية.

فهل نحن فاعلون؟!

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات