آراء وتحليلات

27/05/2019

الثوابت العراقية والازمات الاقليمية: الجار للجار

بغداد ـ عادل الجبوري
يستند الموقف العراقي من التصعيد الاميركي المتواصل ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية على جملة ثوابت ومباديء تمتد وتتحرك على مساحة داخلية وخارجية واسعة، تأخذ بعين الاعتبار المصالح الوطنية والمصالح المشتركة لقوى الاقليم، واهمية المحافظة على السلم والامن الدوليين، حتى وان اختلفت المواقف والتوجهات، وتباينت الاولويات، وتقاطعت الحسابات.

الثوابت والمباديء العراقية حيال التداعيات الخطيرة التي تعيشها المنطقة، تتمثل فيما يلي:

ـ رفض العقوبات الاميركية احادية الجانب ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية، باعتبارها تفتقد الى الغطاء الشرعي والقانوني، وتفتقر الى الحد الادنى من القبول الدولي.
 
ـ دعم ومساندة الجمهورية الاسلامية الايرانية في حربها ضد الولايات المتحدة الاميركية، انطلاقا من المواقف الايجابية التي تبنتها طهران في مختلف المراحل والمحطات، لاسيما حينما تعرض العراق للعدوان الداعشي التكفيري صيف عام 2014.

ـ العمل على اعتماد كل الوسائل والسبل السلمية لاحتواء التصعيد بين واشنطن وطهران، والحؤول دون اندلاع الحرب العسكرية المسلحة بينهما، وبالتالي تجنيب العراق والمنطقة الاثار والتبعات الكارثية لاي مواجهة عسكرية يمكن ان تقع لا سمح الله.

ـ اهمية العودة الى الاتفاقيات الدولية المبرمة بين طهران من جهة والقوى الدولية الكبرى من جهة اخرى، وتحديدا فيما يتعلق بالبرنامج النووي الايراني.

وقد سمع وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف في مختلف لقاءاته مع كبار المسؤولين والساسة العراقيين خلال زيارته الاخيرة لبغداد حقيقة المواقف والتوجهات العراقية حيال ما يجري، ولعل ما قاله نظيره العراقي محمد علي الحكيم في المؤتمر الصحفي المشترك لهما، يختزل ويختصر كثير من الكلام في هذا الشأن.

قال الحكيم "نحن ضد الإجراءات احادية الجانب من قبل الولايات المتحدة الأميركية ضد إيران، ونقف الى جانب الجارة إيران"... وأن الحصار الاقتصادي غير مجد ويؤلم الشعب الإيراني، ونرفض الحصار بأي شكل من الاشكال".. و"العراق يسعى بكل جهوده للتعاون مع الدول الخليجية والمنطقة لتوضيح وجهة نظره ورؤيته لحل الازمة، والحؤول دون اندلاع الصراع العسكري المسلح في المنطقة".

وبنفس المعنى تحدث رئيس الجمهورية برهم صالح، ورئيس الوزراء عادل عبد المهدي، ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، ورئيس تحالف البناء هادي العامري، ورئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، وساسة عراقيين اخرين.

إلى جانب ذلك فأن مجمل الحراك السياسي الدبلوماسي العراقي، تمحور خلال الشهور القلائل الماضية على كيفية توفير السبل والاجواء المناسبة لتلافي حدوث المزيد من التصعيد والتأزم في المنطقة، وقد بدا واضحا ان العراق في هذه المرحلة، قادر على ان يلعب دورا محوريا في المساهمة بنزع فتيل الازمة، لاسيما انه يمتلك خطوط تواصل جيدة بين مختلف الاطراف، ويعيش فترة استقرار سياسي جيدة مقارنة بالفترات السابقة، والاهم من ذلك انه تجاوز الخطر الداعشي، واتجه الى اعادة ترتيب اوراقه وتحديد اولوياته بما من شأنه تسريع وتيرة البناء والاعمار، وتنشيط الواقع الاقتصادي الاستثماري، الذي يتطلب توفر بيئة امنة ومستقرة بعيدة عن الحروب والصراعات والصدامات، وبما ان الجمهورية الاسلامية الايرانية تعد الطرف الاقليمي الاكثر ثقلا في في علاقاتها الاقتصادية مع العراق، فأنه انطلاقا من زاوية المصالح الخاصة، ليس من مصلحة العراق ان تغرق ايران في دوامة الحروب، او تبقى مكبلة بالعقوبات الاقتصادية والحصار، ولعل الاشارات التي اطلقها وزير النفط العراقي ثامر الغضبان مؤخرا، عما يمكن ان يحصل للعراق في حال اغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي عند اندلاع الحرب بين واشنطن وطهران، تنطوي على رؤية دقيقة لجانب من مالات الامور حينما تتجه الازمة الى المجهول، اذ قال الغضبان "أن الأزمة بين واشنطن وطهران وفي حال إغلاق مضيق هرمز بالخليج، سيكون لها تأثير علينا وعلى جميع الدول التي تنطلق صادراتها النفطية من خلاله، لكننا متفائلون بأن هذا الأمر لن يحصل، لأن ضرره كبير على المنطقة والعالم بأسره، ولأن المضيق يمر من خلاله يوميا ثمانية عشر مليون برميل نفط خام لاسيما للسوق الآسيوية".

ولدى صناع القرار السياسي العراقي، وحتى النخب السياسية المختلفة، رؤية مفادها، ان اندلاع المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران، قد يكون بمثابة الايذان بحرب عالمية ثالثة مدمرة، ستتشكل على ضوئها محاور اقليمية ودولية، وسوف تنعدم وتتلاشى فرص حل واحتواء الازمات الاقليمية الراهنة، بل سوف تتسع مديات تلك الازمات، ان لم تظهر ازمات اخرى ذات ابعاد امنية وسياسية واقتصادية واجتماعية خطيرة، وطبيعي ان العراق بحكم موقعه الجغرافي المجاور لايران، وواقعه السياسي المعقد والشائك نوعا ما، وبنيته الاقتصادية الهشة والقلقة، سيكون اكثر المتأثرين والمتضررين من اي حرب، حتى وان قرر عدم الدخول بها لصالح هذا الطرف او ذاك.                

وتكتمل هذه الرؤية وتتكامل، حينما تستند على كمّ كبير من الحقائق والارقام والمعطيات التأريخية عن النتائج المأساوية للصراعات والحروب، والمخرجات الكارثية للاجندات الخارجية الاجنبية ضد شعوب ودول المنطقة، ربما تبدأ مشروع سايكس ـ بيكو التقسيمي، ولا تنتهي عند صفقة القرن السيئة، وبين الاثنين حوالي مائة عام حافلة بكل مظاهر العنف والارهاب والقتل والدمار والخراب، وحافلة ايضا بكل مظاهر الرفض والتحدي والصمود.

و"لا شك ان قراءة وقائع وتجارب الماضي، والتمعن في مقدماتها ونتائجها.. بداياتها ونهاياتها، يمكن ان يساعد في تجنب تكرار ماسيها وكوارثها وويلاتها مرة او مرات اخرى"..

هكذا يقولون في بغداد!.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات