آراء وتحليلات

27/05/2019

اوكرانيا على عتبة تحول مصيري جديد

صوفيا ـ جورج حداد

بالتزامن مع الهجمة الداعشية الشرسة ضد سوريا والعراق، التي نظمتها الادارة الاميركية بالتعاون مع السعودية وزعانفها الخليجيية ومع تركيا في حينه، نجحت المخابرات الاميركية في شباط/ فبراير 2014 في تنظيم الانقلاب المعادي لروسيا في اوكرانيا. وحينذاك اقتحمت عصابات الانقلابيين البرلمان الاوكراني واعتدوا بالضرب على النواب غير الموالين للغرب، وطردوهم بالقوة، واجبرت الحكومة الشرعية على الاستقالة، وفر الرئيس الشرعي فكتور يانوكوفيتش الى روسيا، وتشكلت حكومة انقلابية، وبدأت حملة عنصرية لمطاردة الروس والناطقين بالروسية وقتلهم في الشوارع واماكن عملهم، ومهاجمة وتحطيم واحراق بيوتهم، وتسريحهم بالقوة من الجيش والشرطة. وأجريت انتخابات رئاسية جديدة في ايار/ مايو 2014 فاز فيها الملياردير المافياوي بيوتر بوروشينكو. كما اجريت انتحابات نيابية مبتورة ( بدون شبه جزيرة القرم وشرق اوكرانيا) في تشرين الاول/ اكتوبر 2014. وطبعا فازت في هذه الانتخابات الاحزاب العمبلة للغرب والمعادية لروسيا، التي احتلت الغالبية الساحقة من المقاعد النيابية في البرلمان الاوكراني الانقلابي. وقد ردت الجماهير الشعبية الروسية والناطقة بالروسية (التي كانت تمثل 40% من سكان اوكرانيا والاغلبية في شرقي وجنوب شرقي اوكرانيا)، ـ ردت بانتفاضة شعبية مضادة للانقلاب. واعلنت القوات البحرية والجوية والبرية الاوكرانية في شرق وجنوب اوكرانيا الانضمام الى الانتفاضة الشعبية، وأنزل العلم الاوكراني عن الثكنات والاسطول البحري في الشرق. واعلنت شبه جزيرة القرم الانضمام الى روسيا من جديد فكان لها ذلك. ورفع الاسطول الاوكراني العلم الروسي وانضم الى الاسطول الروسي في سيباستوبول. كما اعلنت مقاطعتا حوض الدونباس (دونيتسك ولوغانسك) الانفصال عن اوكرانيا وتشكيل جمهورية مستقلة لكل منهما. وفي سنة 2015 صرحت المبعوثة الاميركية الخاصة في اوكرانيا فكتوريا نولاند ما يفيد ان اميركا انفقت 5 مليارات دولار لانجاح "التحول الدمقراطي" (اي الانقلاب الفاشستي) في اوكرانيا. وكانت المراجع الاميركية تأمل ان يتم ضم اوكرانيا بسرعة الى الناتو، وتحويلها الى قاعدة عسكرية صاروخية ـ نووية اميركية على الحدود مباشرة مع روسيا مما يشكل خطرا جديا على الامن القومي الروسي. وكانت حكومة بوروشينكو الانقلابية موافقة على هذا المخطط. ولهذه الغاية دخلت السفن الحربية الناتوية والاميركية، بما في ذلك الغواصات النووية، الى البحر الاسود، وحاولت الدخول الى مياه شبه جزيرة القرم باعتبار انها مناطق اوكرانية. ولكن روسيا تصدت بحزم لهذه المحاولات، وقامت بمناورات عسكرية بحرية وجوية استثنائية في مياه واجواء البحر الاسود، وكانت السفن الحربية الروسية تقترب الى درجة خطر الاصطدام مع السفن الاميركية والناتوية وهي تنذرها بالتراجع لانها تقترب من المياه الاقليمية الروسية، واضطرت السفن الاميركية والناتوية للتراجع. كما كان الطيران الروسي حامل الصواريخ المخصصة لصيد الغواصات يقوم بطيران بهلواني فوق مياه البحر الاسود وينذر الغواصات الاميركية بضرورة الصعود الى سطح المياه، وكانت الغواصات الاميركية تنصاع للطلب ويصعد بحارتها الى سطح غواصاتهم للتأكيد على "سلمية" حضورهم غير المرحب به. وهكذا فشلت محاولة ضم اوكرانيا الى حلف الناتو، واعلنت قيادة الناتو ذاتها انها تصرف النظر في المرحلة الراهنة عن ضم اوكرانيا الى الحلف لعدم اشعال فتيل الحرب مع روسيا. وهذا ما اصاب الانقلابيين الاوكرانيين وعلى رأسهم "الرئيس" بوروشينكو بالجنون. فقرروا شن الحرب على شبه جزيرة القرم لانتزاعها بالقوة من روسيا. وكانوا يأملون بأن يتطور الاشتباك الاوكراني ـ الروسي الى تدخل القوات الاميركية والناتوية الى الجانب الاوكراني. واحتشدت القوات الاوكرانية المدعومة بالمقاتلين من العصابات الفاشستية وهاجمت حدود القرم التي اصبحت روسية. ولكن قوات الدفاع الشعبي الذاتي للقرم المدعومة بالقوات الخاصة الروسية سحقت المهاجمين سحقا تاما في ساعات معدودة، ووقفت اميركا والناتو يتفرجان دون ان يجرآ على التدخل حتى كلاميا. ولكن اميركا والناتو والاتحاد الاوروبي ارسلوا لاحقا بعض مذكرات الاحتجاج التي وجدت طريقها الى سلة النفايات في وزارة الخارجية الروسية. الا ان الانقلابيين، ورثة الاحزاب الفاشستية التي قاتلت مع المحتلين النازيين في الحرب العالمية الثانية، لم "ييأسوا!" بل استجمعوا قواهم ووجهوها ضد جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك المستقلتين في شرق اوكرانيا لاحتلالهما واخضاعهما بالقوة. ولكن قوات الدفاع الشعبي الذاتي للجمهوريتين، ومعها  المتطوعون الشعبيون الروس ولا سيما القوزاق البواسل الذين تقاطروا بعشرات الآلاف لدعم اخوانهم في الدونباس، ردوا الانقلابيين الاوكرانيين على اعقابهم، وكان بامكانهم مطاردتهم حتى العاصمة كييف، الا انهم توقفوا عند حدود معينة لعدم الانجرار الى حرب اهلية اوكرانية واسعة النطاق وهذا ما لا تريده روسيا. وبتدخل من الاتحاد الاوروبي اعلن وقف اطلاق النار بين الطرفين ونشأت حدود جبهة فاصلة أرسلت اليها وحدات مراقبة اوروبية. ولكن الانقلابيين لم يحافظوا يوما على وقف اطلاق النار وكانوا يقصفون بالمدفعية بعيدة المدى والصواريخ المناجم والمصانع والمعاهد والمستشفيات والساحات العامة وحتى المباني السكنية لتعطيل الحياة المدنية في الجمهوريتين والضغط عليهما لاجل الاستسلام. وهذا ما كان يضطر قوات الدفاع الشعبي الذاتي للجمهوريتين لشن هجمات تاكتيكية مضادة ضد المعتدين.

وهذا هو الوضع المأساوي السائد في شرقي اوكرانيا منذ سنوات. وقد قامت روسيا بتقديم كميات هائلة من المساعدات الانسانية الى الجماهير الصامدة في شرق اوكرانيا. كما استقبلت حوالى اربعة ملايين مهاجر ولاجئ من شرق ومن اواسط اوكرانيا، ووزعتهم على مختلف المدن الروسية ومنحتهم كل حقوق المواطنين الروس، من الاقامة والسكن والعمل والتعليم والطبابة. واذا كان هذا الوضع الحربي قد ادى الى الشلل شبه التام للحياة الاقتصادية والاجتماعية في شرق اوكرانيا، فإنه ايضا قد انعكس بشكل مأساوي جدا على اوكرانيا برمتها. وبالاضافة الى عوامل اخرى، فإن حالة الحرب المتقطعة ـ المتواصلة في شرق اوكرانيا هي العامل الرئيسي للتردي الشديد لظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية والانسانية بأجملها في اوكرانيا، من حيث البطالة والغلاء والتضخم وتدني الاجور الفعلية والمعاشات التقاعدية والخدمات التعليمية والصحية والانهيار الديموغرافي.
وحتى ذلك القطاع من الجماهير الشعبية الاوكرانية المخدوع بالبروباغندا الغربية بدأ يدرك ان سياسة الانقلابيين والحرب في شرق اوكرانيا تقودان الدولة الاوكرانية الى الانهيار والانتحار.

وفي هذه الاوضاع المأساوية تماما جرت في شهر نيسان/ أبريل الماضي انتخابات رئاسية جديدة، تنافس فيها 26 مرشحا، مما يدل على مدى تفكك الحياة السياسية الى اقصى حد في اوكرانيا. ولم يفز اي من هؤلاء المرشحين بنسبة 50% من الاصوات. وفي الدورة الثانية تنافس مرشحان هما الرئيس الانقلابي بيترو بوروشينكو المدعوم بشدة من الغرب، وفلاديمير زيلينسي، وهو ممثل كوميدي، من خارج الطبقة السياسية كلها، ولا تجربة سياسية له. وخاض بوروشينكو معركته الانتخابية تحت شعار شن الحرب "لاستعادة" شبه جزيرة القرم و"تحريرها" من "الاحتلال" الروسي. فيما خاض زيلينسكي معركته تحت شعار وقف الحرب في شرق اوكرانيا، والعمل لتطبيع العلاقات مع روسيا، ولاعادة النهوض بأوكرانيا ورفع الاجور وتخفيض الضرائب ومكافحة البطالة والغلاء ووقف تدهور مستوى المعيشة. وكان بوروشينكو واثقا من الفوز الكاسح لان كل اليمين والتيار الشوفيني الاوكراني يلتف حوله. ولكن النتيجة جاءت صادمة له وللمعسكر الغربي برمته، إذ حصل السياسي المغمور والممثل الكوميدي فلاديمير زيلينسكي على نسبة 73.2% من الاصوات، بينما حصل بيترو بوروشينكو على نسبة 25.3% فقط.

وفي الاسبوع الماضي عقد مجلس النواب الانقلابي جلسة خاصة لاداء قسم اليمين واعلان تنصيب زيلينسكي رئيسا جديدا للبلاد. وفي اعقاب  الجلسة اعلن زيلينسكي انه سيوقع حالا مرسوم حل المجلس النيابي الحالي والدعوة الى اجراء انتخابات جديدة في تموز القادم. وطلب من الحكومة الحالية الاستقالة. كما طلب استقالة رئيس هيئة الامن فاسيلي غريتساك، والمدعي العام يوريا ليتسينكو ووزير الدفاع ستيبان بولتوراك. واعطاهم مهلة شهرين للانسحاب من وظائفهم. واعلن رئيس مجلس الوزراء فلاديمير غرويسمان انه سيدعو الى عقد جلسة اخيرة لمجلس الوزراء في الاسبوع القادم ويعلن بعد ذلك استقالة الحكومة، وفتح الطريق لتشكيل حكومة جديدة.

ويرى مراقبون ان اوكرانيا تقف الان على مفترق طرق حاسم:

1ـ فإما تحقيق مصالحة وطنية عامة في البلاد، وتطبيع العلاقات مع الشقيقة الكبرى روسيا، والاطلاع بدور جسر تواصل بين روسيا والاتحاد الاوروبي.

2ــ واما ان يعمد عملاء الغرب لتنظيم انقلاب جديد ضد زيلينسكي مما سيلقي اوكرانيا في اتون حرب اهلية واسعة وطاحنة لا يمكن التنبؤ مسبقا بمسارها ونتائجها، انما لن تكون ابدا في صالح المعسكر الغربي الذي تسبب حتى الان في تفكيك وتدمير اوكرانيا.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

خبر عاجل