آراء وتحليلات

27/05/2019

خدعة "الربيع العربي" لتمرير "صفقة القرن"

سركيس أبوزيد

صحيح أن شرارة ما اصطلح على تسميته "الربيع العربي" إنطلقت من تونس عام 2010، ولكن أحداث وثورات ھذا الربيع تركزت في دول المشرق العربي، أي سوريا حيث دارت حرب مدمرة بأبعاد إقليمية دولية، والعراق حيث نبت وانطلق تنظيم "داعش"، ويمكن إضافة اليمن حيث تدور منذ أربع سنوات مواجھة غير مباشرة سعودية - إيرانية، ومصر التي شھدت إنقلابا على الإنقلاب، إنقلاب الإخوان المسلمين على الثورة الشعبية التي أطاحت الرئيس حسني مبارك، وانقلاب الجيش مدعوما من الشعب على "حكم الإخوان".

في كل ھذه الدول، الجيش ھو القاسم المشترك الذي يلعب دور المنقذ ومن يقطف ثمار الحراك الشعبي، يلعب دور الوسيط بين الشعب والنظام، وما حصل في مصر تكرر بأشكال وطرق مختلفة في الجزائر والسودان وليبيا. فالكلمة الأخيرة في كل من ھذه الدول ھي "للجيش"، بعدما بات الخيار محصورا بين حكم الجيش أو حكم الإسلاميين، وبعدما بات الجيش ھو القوة القادرة على الوقوف في وجه "المد الإسلامي المتطرف".

في السودان سقط حكم الرئيس عمر البشير الذي استمر ثلاثين عاما بانقلاب عسكري تلقفته الإنتفاضة الشعبية واتكأت عليھا. والرئيس عمر البشير لم يسقط لأنه ذھب الى دمشق، العد التنازلي في وضعه بدأ منذ أن وثق علاقاته بالدوحة وعبرھا استأجرت تركيا جزيرة سواكن السودانية في البحر الأحمر لتقيم عليھا مشاريع إستثمارية، وقبل ذلك قرر إعادة النظر في موقفه من حرب اليمن ووقف مشاركته في التحالف السعودي العربي.

في الجزائر سقط حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ووضع الجيش يده على النظام والبلاد، والرئيس عبد العزيز بوتفليقة لم يسقط لأنه مريض وعاجز ولم يعد مسيطرا على القرار ومقاليد الحكم، وإنما لأن البديل الجاھز لتسلم الحكم ھم الإسلاميون الذين خاضوا مع الجيش مواجھات مريرة في التسعينات أدت الى سقوط نحو 200 ألف قتيل، ولم يكن أمام الجيش إلا أخذ المبادرة وإدارة مرحلة إنتقالية غير واضحة المعالم في نھاياتھا وسقفھا الزمني.

في ليبيا، فإنھا ما زالت تتخبط في المرحلة الإنتقالية التي دخلت فيھا بعد سقوط معمر القذافي، والآن يطرأ عامل جديد ھو تقدم الجيش الوطني لطرد الجماعات المسلحة ذات التوجه الإسلامي المسيطرة على غرب ليبيا، والتي استغلت الفوضى وغياب الدولة للتسلل وإقامة قواعدھا.
والسؤال هنا، رغم ما نشهده من ربيع عربي بالتقسيط ھل نتجه نحو حرب شاملة؟

إيران لن تقبل بالنقاط الـ 12 التي تحدث عنھا وزير الخارجية الأميركي بومبيو، والتي تعني عمليا أن تتراجع إيران عن تمددھا، وعن تسلحھا الصاروخي، ومشروعھا النووي، أي أن تستسلم. عدا عن وضع "الحرس الثوري" على لائحة الإرھاب، وإھداء ترامب  القدس إلى "إسرائيل"، ومؤخرا الجولان، مع "صفقة القرن" التي ستتكشف معالمھا قريبا، وضم المستوطنات في الضفة إلى" إسرائيل"، وإقامة حكم ذاتي فلسطيني في ما تبقى منھا، وضم أراضٍ إلى الأردن، وإقامة كونفدرالية بين "إسرائيل" والأردن ومنطقة الحكم الذاتي. بات واضحاً أن ھكذا صفقة لا يمكن تمريرھا "على البارد"، أي أنھا تتطلب فرض وقائع جديدة على الأرض، وتغيير موازين قوى. وإيران ليست فقط ضد "صفقة القرن"، إنما ضد أي عملية سلام مع "إسرائيل"، وھذا موقف آيديولوجي في صلب عقيدتھا.

بالملخص، أميركا تريد تركيع إيران من دون حرب. وإيران تمتلك إرادتھا في الإستمرار بقيادة "محور المقاومة"، والمحافظة على وجودھا، ولكنھا تحاذر في اتخاذ قرار الحرب، و"إسرائيل" قد تفضل قرار الحرب الآن على الإنتظار ودفع أثمان أغلى في المستقبل. لذا، الإحتمالات كافة واردة.
 
وهنا تبرز أيضأ المسألة الكردية، ھل ثمة توجه أميركي ودولي من أجل إقامة دولة كردية سيكون المتضرر منھا طھران وأنقرة إضافة الى سوريا والعراق، كون أراضي ھذه الدولة المفترضة تمتد داخل الدول الأربع المذكورة ويعيش في كل منھا الملايين من الأكراد. وما يحصل اليوم في سوريا مع الأكراد يمكن إعتباره بمثابة إختبار جدي لما ھو مبيت، كونه يشكل نقطة البداية وعلى نار حامية لجلاء حقيقة الموقف الدولي بالنسبة لقيام أو عدم قيام مثل ھذه الدولة الكردية، خصوصا وأنه سيتم رسم مسارات عديدة ومختلفة على ضوء إتضاح الصورة بالنسبة لوجود مثل ھذا القرار أو عدمه.

وھذه المنطقة الشرق أوسطية بجزأيھا الشمالي والشرقي الذي يضم سوريا وتركيا وإيران، ذاھبة إلى خرائط جديدة، من الواضح أن صراع واشنطن مع إيران قد يتحول إلى مواجھة عسكرية في أي لحظة، سوف ترفع راية حق تقرير المصير للأكراد جميعھم وبمن فيھم أكراد تركيا، وھذا نكاية بالرئيس رجب طيب إردوغان الذي من الواضح أنه بات يدير ظھره لحلف شمال الأطلسي وأنه أصبح محسوبا على الكتلة الروسية ـ الإيرانية.

فما سُمي "ثورة الربيع العربي" بكل ما رافقھا وأعقبھا من تدخلات، من الواضح أنھا لم تكن صدفة أو مجرد تعبير عن تطّلع شعوب عديدة الى الإصلاح والتحديث والديمقراطية الحقيقية، بل جرى استخدامھا من أجل فرض حالة من التآكل داخل ھذه المجتمعات والدول، والھدف الأكبر كان ضرب الدول التي أمنت بناء جيوش مركزية عربية على خلفية الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

ھذا ھو واقع الحال، فالقرن العشرون قد مضى بكل ما فيه، والآن ھناك قرن جديد وواقع جديد، وھناك معادلات وخرائط يجري رسمھا. إلا إذا استجدت مباغتات مفاجئة، عندها ستكون ھناك الكثير من الخرائط الجديدة في بعض أجزاء ھذه المنطقة التي باتت تقف على كف عفريت.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات