خاص العهد

26/05/2019

منطق الحرب

د. لينه بلاغي 

خلعت القوتان الكبريان، الولايات المتحدة الامريكية والصين، قفازاتهما الحريرية، تمهيدا لما يشبه الحرب الباردة الاقتصادية، في المدى المنظور، على خلفيات لن تكون محض اقتصادية – مالية ( جيو- اكونوميك ) فارضة اعادة تموضع للجغرافيات الدولية السياسية والسياسات الجغرافية (جيوبلتيك).

اواخر التسعينيات، وتحديدا في عصر الرئيس الامريكي بيل كلينتون، وفي اوضاع مشابهة تقريبا لما تمر به الصين حاليا، تم تركيز الجهود الامريكية على ضرب المنظومة اليابانية الاقتصادية بعدما ضربت منظومة الاقتصاد النامي لمجموعة نمور اسيا، ورابطـة دول جنوب شرق آسيا "آسيان" التي نافست اليابان والولايات المتحدة اقتصادياً وإنمائيـاً، في محاولة للحؤول دون نشوء اي قوة في شرق اسيا قادرة على منافسة القوة الامريكية .

عام 1999 وبعد 13 سنة من التفاوض، تمكنت الولايات المتحدة من دفع الصين الى توقيع توافق قضى بفتح الصين لاسواقها في مقابل العضوية في منظمة التجارة العالمية، وكانت حاجة امريكية اوروبية دولية بعد تراجع اليابان وما تلاه من اوضاع اقتصادية ومالية متردية على اعتاب القرن الواحد والعشرين مهدت لحروب في الشرق الاوسط .

وابان اعادة التموضع الامريكي في ازمات الشرق الاوسط وجغرافيته بحجة "مكافحة الارهاب الاسلامي "، في عهد الرئيس الامريكي بوش الابن، كان النفوذ الصيني ينمو بهدوء في العديد من بقاع العالم، مع المحافظة على حمائية اسواقها، مما دفع الى نمو المخاوف الامريكية في عهد خلفه اوباما الذي اعلن عن استراتيجيته التي تقضي بالالتفات لاقصى الشرق، عبرت عنها تصريحات وزيرة الخارجية في حينها، هيلاري كلينتون، سيما بعد الازمة الاقتصادية التي المّت بالولايات المتحدة، واقتصادات العالم، عام 2008 بسبب الترابطية الهائلة في المنظومة الاقتصادية العالمية بفعل التجارة الدولية الحرة، الى جانب ما يحويه بحر الصين الجنوبي من موارد طبيعية.

تعززت المخاوف حينما اشتدت المنافسة الجيوسياسية الأمريكية – الصينية على اعتاب الشرق الاوسط وافريقيا، وتحديدا بعدما اثبتت الصين قدرتها على المنافسة التكنولوجية، التي ستتحكم بمفاتيح القوة والنظام الدولي المرتقب والقوى المسيطرة فيه، عززتها "مبادرة الحزام والطريق الضخمة" ومواقف الصين من قضاياه وصولا الى فنزويلا مؤخرا، وهو ما يمكن تلمسه من خلال الحرب على تكنولوجيا هواوي والضغط على شركة غوغل بتقليص خدماتها لهذه الشركه، ما يحولها حاليا الى " تقنية  بدون ذاكرة " .

ان انحراف جغرافيا القوة الاقتصادية وتليها السياسية بطبيعة الامور، مهد الطريق امام وصول الرئيس الامريكي الحالي دونالد ترامب، ذلك ان الادارة كانت تحتاج الى ما يصفه ترامب " بغير المتوقع " لتتمكن من خوض الصدام القائم بين القوى القائمة والقوى الناشئة او بين اقتصاديات السوق الحرة التقليدية واقتصاديات التجارة الحرة، او بين مبادئ إجماع واشنطن (الاجتماع الشهير في الثمانينيات من القرن العشرين 1980 لثلاث مؤسسات صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، الخزينة الأمريكية، واقرار ثلاثة أسس: التقشف المالي، التخصيص، تحرير السوق) في مقابل اقتصاد ضخم متطور تقنياً تتم إدارته مركزياً وامامه هامش للمناورة الاقتصادية، وان ازعج الامر كل الشركاء، لكنه سيمهد لصعود قوى مستفيدة من الصدام اسيوية ربما وغير اوروبية.

فاتيل (vattel) في " قانون الامم " اقر أن "معظم الدول تهدف فقط إلى تقوية وإثراء نفسها على حساب الآخرين" وان الدول "تكتفي بنظام أقل جاذبية أخلاقياً (بمعنى ،غير قائم على التعاون الذي تفرضه قواعد الطبيعة)، لكن مع ذلك قابل للتطبيق، على أساس توازن القوى"، هذا التوازن الذي يمر حاليا بمخاض المقولات إن " هناك خطرا مستمرا من ان التجارة السلمية ستخضع لمنطق الحرب " و" الحرب هي السياسة وانما بادوات اخرى".

من بين التدابير التي يقرها " قانون الامم " استنادا الى الضرورات التي تتحكم بالدول، والمطبق على سلوك وشؤون الأمم والسيادات عموما قانون "الاستيراد"، الذي يمنح الدول الحرية في فرض الرسوم على البضائع التي لا ترغب فيها او التي تريد اضعافها  او اضعاف دولة المنشأ عبر منع استهلاكها المباشر وغير المباشر، مع القدرة بطبيعة الحال على تحويلها الى قنوات اخرى، او وحدات سياسية او تجارية اخرى، وفي هذه الاجواء يحدث ما يعرف بـ" الحرب التجارية "بشكلها الاقل تعقيدا.

هذه كانت الطبيعة الحمائية التي حكمت الدول تجاريا منذ نشوئها حتى عشية نشوء منظمة التجارة الدولية، والتى سلبت الدول بعضا من سيادتها الاقتصادية باستثناء امريكا، نظرا لقوانينها الداخلية (بند في قانون التجارة لعام 1974 يجيز التحقيق ، ليس فقط حول سلع معينة ولكن حول الممارسات التجارية لبلد بأكمله، صمم لاستخدامه في مواجهة دول كاليابان وتم تعليق العمل به عندما انضمت امريكا الى منظمة التجارة الدولية، ثم تم تنشيطه في عهد كلينتون، مع تصاعد العجز التجاري للولايات المتحدة، قام تحالف بين الجناح اليساري للحزب الديمقراطي واليمين اليميني للجمهوريين بالضغط من أجل اتخاذ إجراءات أكثر عدوانية ضد المصدرين الرئيسيين إلى الولايات المتحدة، متهمين اياهم  بممارسات تجارية غير عادلة. وحاليا يعمل ترمب وفقه في الظاهر ). هذا الحق عبر فتح حدودها واسواقها راغبة وراهبة للشركات العملاقة او العالمية او متعددة الجنسيات ... القادرة على القفز فوق امكانات الدول الضعيفة وحدودها، خالقة ما يشبه الاقطاع وانما على المستوى العالمي، دون اي استجابة للمطالبات الشعبية اواخرتسعينيات القرن الماضي.

منذ وصول الرئيس الامريكي دونالد ترامب الى سدة البيت الابيض، كان واضحا ان لدى ادارته هدفين اساسيين احدهما في الشرق الاوسط اي انهاء الصراع الطويل على "القدس" وتمكين او تثبيت المنظومة الامنية والسياسية والاقتصادية الاسرائيلية ، دون "ان تسقط السماء على الارض"، والاخر مواجهة الانحراف في القوة لصالح الشرق الاقصى، اي الصين، وكان هداف الادارة الامريكية في الظل نشوء حرب نفسية شديدة على الدول المعنية ولا سيما الصين، سيما اذا ما اخذنا بعين الاعتبار ان المنظومات الراسمالية الدولية شديدة الحساسية لاي متغيرات خاصة تلك الامنية او الاقتصادية، والصين لا تشذ عن هذه القاعدة اطلاقا ، وان هذه المتغيرات من شانها ان تدخل المنظومة في مرحلة من الفوضى تمهد لدورة من النظام، وان كانت مرتفعة التكلفة لمختلف اللاعبين الدوليين، وهذا ما تعول عليه ادارة ترمب على خطورته.

على المستوى الامريكي، هناك شبه انقسام عمودي، بين مؤيد ومعارض لخطوات الرئيس الامريكي ترامب، وكلاهما يقدم سيناريوهات على جانب من التعقيد، فيما يرى البعض ان هذه الخطوات ستؤدي الى تراجع قوة امريكا بالمطلق واخرون كترمب نفسه يعتقدون بانها " ستعيد مع الوقت بناء امريكا اولا " . وتحت ذريعة الامن القومي كما يعبر ستيف بانون " يمكن الوصول الى الفولاذ  وغيره .." وترامب كان اعلنها حالة طوارئ لـ"حماية أميركا من المنافسين الأجانب، الذين يخلقون ثغرات في البنية التحتية والخدمات في مجال المعلومات والاتصالات التكنولوجية ويستغلونها"، وقد يكون هذا هو مربط الفرس، كما اشرنا، سيما ان التكنولوجيا المتطورة جدا، وملكيتها الفكرية ، والاسواق، باتت محددة لاحد ابرز مقايس "القوة" في ساحات النفوذ الدولي الراهن والمستقبلي، وقد ضغطت بالفعل الولايات المتحدة على عدد من الدول من بينها بريطانيا والمانيا واليابان واستراليا ونيوزيلاندا وغيرها لمواجهة التكنولوجيا الصينية عبر ضرب نموها، استنادا للقاعدة البسيطة " المال والاستثمار والادارة تؤدي للتنمية على مختلف الصعد من بينها التكنولوجيا المرتبطة بشكل كبير بالقدرات العسكرية ايضا".

سوزان ثورنتون مساعدة نائب  وزير الخارجية بين2017- 2018 اعتبرت ان " الحلفاء لا يفهمون اسباب انسحاب الادارة الامريكية الحالية من التجارة الدولية الحرة التي كانوا اساس بنيانها، والمرتكزة على التعرفة  والهدف منها" من بينها  كندا التي تبيع الفولاذ لامريكا اكثر من الصين .

ليس الحلفاء وحدهم من لا يفهم اسباب الادارة الامريكية في حربها التجارية ضد الصين، ولا المكسيك التي اجل ترمب مواجهتها لما بعد الانتخابات الامريكية، وانما المواطن الامريكي الذي تتخوف شريحة كبيرة من الاقتصاديين والسياسيين انه سيكون " اول من سيشعر بالضغط الذي سيطال العائلات الفقيرة في الداخل الامريكي وقدراتها الشرائية "  وان الادارة الامريكيه " تبالغ بعرض عضلاتها اتجاه الصين وتستخف بقدرات الصين " وفي احسن الاحوال، فان سياسات ترامب الاقتصادية " خطيرة جدا "  المستهلك الامريكي سيشعر بها، الاقتصادان ينخفض نموهما " لكن هناك من  يؤمن ان الصين " سترمش قبل " وانه على حافة الهاوية "  عليك الجلوس والانتظار ".

لكن اي من المعنيين بهذا الكباش قد لا يملك امتياز القدرة على الانتظار، لا سيما مع اشارة عبرت عنها  دراسات استقصائية تعتبر ان الشركات الاوروبية "عالقة بمرمى النيران المتبادلة " وانها لم  تستفد من النزاع الدائر على غرار ما كان يتامل البعض ، وتشاؤم تفرضه ضبابية الوضع عموما، فلا احد يمكنه التكهن بنتائج هذا النزاع.

في الواقع ان السياسات التي تسير فيها الادارة الامريكية على مستوى من الخطورة ، ولا يمكن استكمال الصورة ما لم يتم الاخذ بالحسبان الاضلاع الثلاثة للحرب الامريكية باتجاه كل من الصين وروسيا وايران، التي قد تبدو في ظاهرها منفصله نسبيا، الا انها وكما يصفها ترامب " من سيرمش اولا " ، او يسقط احد اضلع مثلثه اولا، ستسقط اوراق حلفه كـ" الدومينو" وقد تكون دون اطلاق اي رصاصة ، وهو ما ينطبق ايضا على امريكا وحلفائها في العالم، لذلك من الواضح ان المرحلة التالية ستدفع الدول الى الاختيار، لتضييق الخناق اكثر على الصين على غرار ما حدث ويحدث مع ايران - التي من المفترض ان تكون احد المستفيدين من هذا الكباش، اذا ما قررت الصين المضي بالمواجهة  -  بالتالي ان اضعاف اي طرف من اطراف الصراع الدولي والاقليمي لا بد من ان يضعف الفرقاء في التحالف عينه.

من جانبها تدرك الصين  خطورة الدخول في مبارات ترامب الاقتصادية والتكنولوجية على خلفية التجربة اليابانية سابقا، من جهة وعلى خلفية " الاشقاء الاعداء في شرق اسيا وجنوبها، والقواعد الامريكية العسكرية فيها، الا انها باتت مجبرة على الرد على التعريفات الامريكية بتعريفات مضادة، دفاعا عن صورتها ومصداقيتها الاقتصادية الدولية وسمعتها، وللحؤول دون مزيد من التنمر الامريكي، وتمهيدا للماراثون شهر حزيران القادم الذي يتوقع ان يحمل جديدا لكل اللاعبين الاقتصاديين الدوليين، بعد مباحثات لم تسفر عن نتائج ايجابية مطلع الشهر الجاري.

احد ابرز معطيات الحرب التجارية القائمة بين هذه القوى الكبرى على المستوى التجاري انها ستفتح شهية جملة من الدول الاقليمية لكلا الطرفين، التي ترغب في لعب دور ما في المعادلات  الاقتصادية كفيتنام وتايلاند والمكسيك والهند. ومن الواضح ايضا ان الولايات المتحدة ستسعى الى تعزيز هذه الشهية في سبيل محاصرة الصين وابطاء ان لم يكن القضاء على عجلتها الاقتصادية ومن شانها ان تؤثر على اوضاع مجمل المنظمات الدولية وما شابه فيما يتعلق بالموقف من الصين، كصيغة 16 + 1 الهادفة إلى تكثيف وتوسيع التعاون بين الصين و 11 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي و 5 دول في البلقان او  منظمة شنغهاي التي تضم الصين وروسيا وقيرغيزستان وطاجيكستان وكازاخستان والهند وباكستان، ولا تزال ايران مراقباً غير عضو نظرا للعقوبات الامريكية.

 رغم انه من المبكر الحديث عن نتائج الصراع بين الطرفين، الا ان الواضح في الامر ان اثار هذا النزال ستدفع مترتباته اقتصادات العالم عموما، ما  لم يتم ضغط المكابح امام الانزلاق الدولي وراء الرغبات الامريكية، والرئيس الامريكي يحتاج في المدى المنظور الى توافق ما مع الصين، يعلن من خلاله انتصارا ما، اما الصراع الحقيقي فسينقل الى ما بعد الانتخابات، صراع من شانه ان يضع المنظومة الدولية عموما على سكة نظام عالمي تحكمه مقومات الدول التكنولوجية – الاقتصادية – الغذائية، وهو ما يعول عليه كلا الطرفين المتنازعي .

ان نتائج النزال ايضا ستترك تأثيراتها الكبيرة على الانتخابات الامريكية القادمة، وستحدد اذا كان ترامب سيتحول الى منقذ امريكا الاكبر او الى معيد امريكا الى داخل حدودها، وهذا على ارتباط مباشر بالسؤال حول اذا ما كان من الممكن ان تلتزم الصين بالشروط الامريكية وتضغط على مكابح جموحها الاقتصادي ما دون خط النهاية الامريكي, وهل يمكن ان يشكل رد الفعل الدولي على العقوبات ضد ايران نموذجا او  مؤشرا وقراءة اولية لمواقف الدول والقوى في الحرب التجارية مع الصين؟

وتجدر الاشارة هنا الى ان الصين  تعتبر اكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، حيث بلغ ميزان التبادل التجاري بينهما حوالي 700 بليون دولار والصين هي ثالث مورد للولايات المتحدة، حيث تشكل واردات امريكا من الصين 82 بالمئة، ولا ننسى مديونية امريكا للصين والتي تقارب  1013 تريليون دولار .

إقرأ المزيد في: خاص العهد