آراء وتحليلات

25/05/2019

اللاجئون السوريون وأموال إطالة الأزمة

عبير بسام
يبدو أن أزمة اللاجئين السوريين في لبنان والعالم هي أزمة ذات طابع خاص. اذ لم يتدخل العالم في قضية لاجئين كما تدخل في قضية اللاجئين السوريين، أو النازحين السوريين بحسب لبنان. ويبدو أن الخلاف حول عودتهم لا يتوقف على التسمية فقط، بل تجاوز ذلك لصالح المحاولات المستميتة من أجل الإبقاء عليهم في وضعية النزوح ومنع عودتهم إلى بلادهم. ولذا يحاول المجتمع الدولي فرض بقائهم في لبنان من خلال محاولة دمجهم في المجتمع اللبناني وفرض وجودهم بالتهديد بضرب حماية الإستقرار لبنان تارة، على الرغم من الدعوات العلنية حول ضرورة المحافظة على أمن لبنان، وتارة أخرى بالترغيب من خلال المساعدات التي تدخل من أجلهم والتي يصيب لبنان منها من الحب جانباً. ولكن الشيطان يكمن في تفاصيل هذه الأزمة التي يبدو أن الولايات المتحدة تدفع نحو تفاقمها، ما لم ترع بنفسها الحل السياسي في سوريا.

ترفض القوى الدولية عودة اللاجئين وتعمل على ذلك من خلال التقديمات المالية المتدفقة من أجل دعم اللجوء السوري في لبنان وغيره من الدول التي توجهوا إليها، وخاصة في تركيا والأردن. هذا مع العلم ان هناك عدد من الاجئين السوريين في العراق ومصر أقل بكثير وأوضاعهم تختلف تماماً عن أوضاع اللاجئين في كل من لبنان وتركيا والأردن. اذ تبلغ أعداد اللاجئين السوريين حول العالم 6985282 لاجئاً بينهم 2095585 إمرأة و3494562 طفلاً. وأما أعدادهم في الدول الثلاث الأخيرة وبحسب إحصاءات وزارة الدفاع الروسية والتي نشرها موقع سبوتنيك، فهي 3548273 في تركيا و976002 في لبنان و668,123 في الأردن وأما الأعداد الباقية فقد توزعت في 45 دولة حول العالم. وبالتالي فالدعم السعودي المقدم للاجئين مؤخراً لا يخرج عن نطاق قواعد اللعبة الجديدة التي تحاول الولايات المتحدة أن ترسيها في سوريا ولبنان على حد سواء، وذلك من خلال التحكم بمصير اللاجئين السوريين وخاصة في لبنان، والتي لها علاقة بترتيب أمن الكيان الصهيوني وتصفية القضية الفلسطينية واللاجئين الفلسطينيين.

وأما بحسب موقع المفوضية العامة للاجئين ففي تشرين الثاني/ نوفمبر من العام يوجد في لبنان 1.5 مليون لاجئ سوري في لبنان و20 ألف لاجئ من جنسيات اخرى:عراقية وسودانية وأثيوبية ومناطق أخرى. وبحسب التقديرات فإن 68% من اللاجئين السوريين يعيشون تحت خط الفقر. وهناك 376000 لاجئ سوري تتراوح أعمارهم ما بين (5-17)، أكثر من نصفهم خارج المدارس. وتتركز الجهود الدولية الحالية من أجل تحسين أوضاع السوريين في لبنان وإعادة ترتيب أوضاع الطلاب.وبحسب المفوضية أدت الجهود المضاعفة إلى إزدياد عدد الطلاب الغير لبنانيين بنسبة 11% في المدارس الرسمية و2% بالنسبة للطلاب اللبنانيين. كما شهدت الأعوام 2018-2019 زيادة بنسبة 5% ما بين طلاب الثانويات. كما أن الأمم المتحدة تقدم مجموعات دعم للطلاب من أجل مساعدتهم على العمل على اللغة الجنبية، وتقديم البرامج المكثفة من أجل الإلتحاق بنظرائهم في المدارس. ولكن مع ذلك، فإن نسبة التسيب الدراسي قد بلغت 40%. كما أن المفوضية قامت في العام 2018 بمعاينة 16 مدرسة في لبنان من أجل إعادة تاهيلها وتوسعتها مما سيساعد على استيعاب 2200 طالب لبناني وغير لبناني فيها. هذا ما عدا التقديمات التي باتت تصل إلى التعليم الثانوي والمهني.

هناك متطلبات دولية غربية/أميركية ماتزال تلوح في أفق الحل السياسي السوري، والتي تتطلب اللعب على أوضاع اللاجئين السوريين. وقد باتت قائمة المتطلبات معروفة، ومنها فرض لجنة دستورية ودستور طائفي، وفرض قواعد ردع جديدة ترعى الأمن الإسرائيلي وتحد من الوجود الإيراني في سوريا. وترى هذه القوى ان اللاجئين هم الورقة الوحيدة التي يملكونها للتحكم باللعبة. والأخطر من ذلك، محاولات اللعب على الوعي الوطني للشباب واليافعين وتوجيههم خارج إطار المدرسة في سوريا، من أجل بناء جيل جديد على الأسس والمبادئ الغربية والتي باتت خططها الكبرى في منطقتنا العربية واضحة الأهداف. من أجل تحقيق هذا النوع من الأهداف كان التوجه نحو اللاجئين وتكريس وجودهم في بلاد اللجوء وخاصة في لبنان والأردن، وذلك من خلال تقديم المساعدات والمعنونات للطلاب والأهل عبر تسجيل أولادهم في المدارس ودفع التكاليف التعليمية في جميع المراحل الدراسية، وحتى المرحلتين الأساسية والثانوية.

فاللاجئ السوري لا يملك القدرة المادية على إرسال أبناءه وبناته إلى المدارس الخاصة او العامة في لبنان والأردن، حيث ترتفع أسعار الكتب المدرسية والقرطاسية أضعافاً مضاعفة عما عليها في سوريا. فالتعليم في سوريا، في المرحلة الأساسية مجاني تماماً، وحتى أنه يتم توزيع الكتب المدرسية على الطلاب بالمجان. وتسببت الصعوبات المالية إلى دفع الأهل بأبنائهم للعمل كأجراء عند أصحاب الأعمال الحرة من أصحاب محلات تصليح السيارات والحلاقين وحمالين في المتاجر الكبرى وغيرها من الأعمال التي لا تتطلب خبرات علمية أساسية. وهذا ما حث العديد من الأهالي على الإنخراط في رحلة الإياب إلى سوريا، ما أن أعلنت النوايا على مساعدتهم وتنظيم الرحلات المجانية إلى المناطق الآمنة فيها.
فمنذ عامين وحتى اليوم، جاء إلى لبنان العديد من المسؤولين الأوروبيين والأميركيين، الذين أصروا على أن سوريا ليست دولة آمنة لتستقبل المهجرين. وبدأ العمل من جديد على خلق ظروف تعليمية أفضل وبالمجان من أجل ربط الطلاب السوريين في المدارس والعمل على تقديم التسهيلات المالية لأهليهم وبالتالي تمديد إقامتهم في لبنان.

واتسعت التقديمات للطلاب السوريين اليوم، وهي تتضمن إلى جانب التعليم المجاني ضمن المدارس الرسمية اللبنانية، تقديم الكتب والقرطاسية وتكلفة المواصلات وثمن وجبة يومية والأهم من ذلك دروس خاصة لدعم الطلاب من أجل تحسين أداءهم العلمي، خاصة وأن معظم هؤلاء الطلاب يعانون من ضعف في اللغة الأجنبية، مما يجعل من الصعب عليهم متابعة دروسهم باللغة الأجنبية، بحسب المنهاج اللبناني.  كما أن تخلف بعض الطلاب عن التسجيل للإلتحاق بالمدارس كان من العوامل التي تسببت بتراجع المستوى التعليمي لدى طلاب المراحل الأساسية الأولى، ولذلك فقد استحدثت لهم برامج خاصة من التعليم المكثف من أجل الإلتحاق في صفوف نظرائهم. بالطبع هذه النتائج، التي توصلت إليها الدراسات أجرتها مراكز من الخليج العربي بالتعاون مع معهد عصام فارس في الجامعة الأميركية في بيروت، ومن هذه المراكز هي مؤسسة عبدالله الغرير للتعليم في دبي. ولم يتوقف الأمر على تمويل الدراسات، بل قام مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والذي تأسس في 2015 منذ ثلاثة أعوام وهو يعنى بشؤون اللاجئين، بتمويل هذه المشاريع وفتح مراكز تعليمية للاجئين في لبنان، وبالذات اللاجئين السوريين والفلسطينيين السوريين في لبنان. وتم تأسيس مؤسسة لبنانية "كياني" في العام 2013، من أجل الإستجابة بشكل خاص للأزمة السورية وهي تختص بتطوير برامج تعليمية للأطفال واللاجئين السوريين المقيمين في المخيمات وهو ملك للسيدة نورا جنبلاط!

إن ارتباط أسماء معينة رافقت تصاعد الأزمة السورية منذ بدايتها حتى اليوم لربط مصير الطلاب بمصير بلاد النزوح يطرح العديد من التساؤلات حول دور هذه الشخصيات وعلاقتها بالخطط المعدة من أجل الإبقاء على اللاجئين السوريين خارج بلادهم. والسؤال عمن سيملئ الفراغ في سوريا.

ضمن هذا الإطار كانت زيارة وزير الصحة السعودي عبد الله الربيعة إلى لبنان في نيسان/ أبريل الماضي من أجل افتتاح مركز في بلديتي سعد نايل ومكسة في البقاع. وهو مركز بني بالتعاون ما بين مركز الملك سلمان السابق وما بين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وفي الحقيقة أن المدرسة التي تم تمويلها من قبل مركز الملك سلمان هو ضمن برنامج متكامل وضع بالتعاون مع الأونسكو وتم تنفيذه بالشراكة مع كياني والجامعة الأميركية في لبنان ووزارة الزراعة الأميركية وMOSA وهي مؤسسة تعنى بالزراعة العضوية وتعمل بالتعاون مع وزارة الزراعة الأميركية. وإن كان يدل هذا على شيء فهو يدل على أن هناك اهتمام أميركي بإنشاء نشء من المزارعين المهنيين من خلال الدراسات المهنية المتوسطة والعالية المختلفة التي تقدمها هذه المنشأة بالذات.

وأعلنت دومينيك هايد، مديرة إدارة العلاقات الخارجية بمفوضية اللاجئين، أن السعودية قامت بتقدمة مبلغ وقدره خمسة ملايين دولار مخصصة من أجل تقديم مساعدات نقدية لـ 4244 عائلة من اللاجئين السوريين الأكثر ضعفاً في لبنان، أي لما يقارب 30 ألف لاجئ. أي أن هناك مساعدات عينية من أجل تمكين العائلات السورية الفقيرة من البقاء في لبنان. هذا مع العلم، أنه بحسب إحصاءات المفوضية العامة للاجئين في العام 2018 فإن في لبنان وحده 213358 تلميذاً سورياً في المرحلة الإبتدائية يتعلمون في المدارس اللبنانية الرسمية، 59149 تلميذاً يدرسون مع اللبنايين في الفترة الصباحية، و154209 تلميذاً في الدوام المسائي. يقدم المنح التعليمة لهؤلاء الطلاب كل من الإتحاد الأوروبي والوكالة الأميركية للتنمية وتتم التحويلات إلى وزارة التربية والتعليم في لبنان عبر اليونيسيف ووزارة التنمية الدولية البريطانية وعدد من وكالات الأمم المتحدة.

يرفض المجتمع الدولي عودة النازحين ابتدءاً من خوفه على سلامتهم الشخصية كما يدعون، وذلك بسبب عدم استقرار الوضع الأمني في سوريا على الرغم من تراجع مساحة التي يسيطر عليها الإرهابيون هناك. مع أن سوريا تعتبر اليوم آمنة، ما عدا منطقتي شرق الفرات، التي تسيطر فيها القوات الكردية وقوات التحالف، وخصوصاً الأميركيين والفرنسيين، ومنطقة إدلب وما حولها، والتي يسيطر فيها المسلحين وبعض القوات الأجنبية من أتراك،  وقوات النصرة وهيئة تحرير الشام وغيرها من مجموعات إرهابية تشرف عليها تركيا بشكل مباشر. وهذه العلاقات المفضوحة ما بين الأتراك والنصرة من جهة، والعلاقة ما بين داعش والقوات الكردية وقوات التحالف من جهة أخرى، باتت أمراً يثير القلق، فهي تعتبر انتهاكاً لجميع القواعد الدبلوماسية المتعارف عليه عالمياً. وبات هذا النوع من العمل يشبه الدعارة السياسية القائمة على الإستغلال من أجل الدفع باتجاه حصص ومواقف يتم تقاسمها على حساب السيادة السورية والشعب السوري ولاجئيه وتكريس وجودهم في بلاد الشتات.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

خبر عاجل