خاص العهد

25/05/2019

مؤسسة القرض الحسن: بالتكافل والتضامن

فاطمة ديب حمزة
من قال إن أحكام الأسواق المالية الربوية هي المتوفرة فقط، من أجل الاستحصال على مال لتيسير الحال؟
بلا شك، فإن قواعد المصارف الربحية هي التي تتحكم بسوق طلب القروض، ربما هذا ما أنتجته الفلسفة الاقتصادية القائمة على مفهموم الرأسمالية الجشعة منذ أن تربعت على عرش السلطة المالية والاقتصادية، فصار الهدف من الإقراض هو الربح، وفقط الربح، وذلك من خلال عملية مالية تقوم على أساس الفوائد المصرفية، والاستثمارات الخارجية.. لكن في "القرض الحسن" القاعدة معكوسة، أو بالحد الأدنى مختلفة كلياً من حيث المفهوم .. كيف؟؟

قبل الإجابة لا بد من نبذة تعريفية عن هذه المؤسسة: هي جمعية مؤسسة القرض الحسن، تأسست 1982، ونالت ترخيصها من وزارة الداخلية عام 1987 بموجب علم وخبر 217/أ.د .. تاريخ التأسيس تزامن مع الاجتياح الاسرائيلي للبنان، وهذه بحد ذاته قصة سنأتي عليها لاحقاً.

تهدف المؤسسة إلى مساعدة الناس من خلال منحهم القروض لآجال محددة مساهمة من الجمعية بحل بعض مشكلاتهم الاجتماعية، بالاضافة إلى تعزيز روح التعاون والتكافل والتضامن بين أفراد المجتمع.

يقول عادل منصور ـ المدير التنفيذي في جمعية مؤسسة القرض الحسن - لموقع "العهد" الإخباري إن "الفكرة مستوحاة من الجمهورية الإسلامية الايرانية، وهي ايضاً موجودة في دول إسلامية آخرى، وتُعنى بالشؤون الاجتماعية، ومساعدة الناس عن طريق الإقراض المالي، وتساهم ايضاً بتعزيز فكرة الانتاجية والمساعدة عن طريق التكافل والتضامن، وبذلك هي تشكل بديلاً عن القرض الربوي".

قروض بلا فائدة .. كيف تعمل المؤسسة؟

بكلام مختصر وواضح، يقوم القرض الحسن على قواعد الاقتصاد الإسلامي، المستمد جوهره من كتاب الله الحكيم:

"بسم الله الرحمن الرحيم، من ذا الذي يقرضُ اللهَ قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجر كريم" .. ذلك لأن في إقراض الناس قروضاً حسنة مساعدة لهم على قضاء حوائجهم وتيسير أمورهم، كما يأتي في تعريف المؤسسة عن نفسها .. اذاً، القصد هو تيسير الحال وليس الربح، وحكماً ليس الاستثمار أو الربا .. بحيث تؤمن المؤسسة لأفراد الجتمع كافة، فرصة لفك ضائقة مالية، أو حل لمشكلة اجتماعية، من دون مراكمة دين مالي على المقترض، أو بدل فوائد مالية .. وهي بذلك تعتمد آلية إدارية ـ مالية تُحصل رواتب موظفيها وبعض المصاريف اللوجستية للمؤسسة من خلال الرسوم البسيطة التي يدفعها المقترض.

وتعمل المؤسسة ضمن برنامج إقراض يعتمد بشكل كبيرة على الذهب والكفالة المالية والصناديق.

ويشرح السيد منصور لموقعنا كيف تسير عميلة الإقراض بهذه البرامج لتيسير الأمور، "فيشكل ايداع الذهب الكتل الأقوى من المقترضين الذين ينالون نحو 70% من قيمة الذهب المودع باسمهم في المؤسسة، مقابل مبلغ مالي يصل إلى 5000$ ، تسدَّد بسندات شهرية على مدة 30 شهراً كحد أقصى.

البرنامج الثاني، هو قرض بكفالة مساهم أو كفيل، بحيث يستطيع المقترض أن ينال قرضاً مالياً بالقيمة التي يكفله بها الكفيل أو المساهم.
 

بالإضافة إلى ما يعرف بصناديق التكافل في المؤسسة وهي:

صناديق المؤسسات، وينال موظفو هذه المؤسسات قروضاً مالية مكفولة باشتراك شهري لا يقل عن 10$.

صناديق التكافل العامة، تُنشأ من قبل مجموعة أشخاص يتراوح عددهم ما بين 7 و 30 شخصاً، وتقوم ايضاً على مفهوم الاشتراك الشهري الذي لا يقل عن 12$.

صندوق القرية، حيث يكون الجامع ما بين الاشخاص هو انتماؤهم لنفس القرية، وباشتراك شهري لا يقل عن 12$ ايضاً.

اما الصندوق الذي استُحدث من قبل المؤسسة فهو تكافل الموظفين، ويتكون من موظفين لدى مؤسسات خاصة وعامة يشتركون شهرياً مع دعم من المؤسسة وكفالة إدارية ـ قانونية تخول مؤسسة القرض الحسن تقاضي الدفعات من مؤسسات الموظفين في حال تخلفوا".

ولكن من أين تُمول هذه المؤسسة المالية؟

يعدد المدير التنفيذي لموقع "العهد" مصادر التمويل وهي: "التبرعات ـ الهبات ـ الحقوق الشرعية ـ الرسوم الادارية ـ الانتسابات ـ الاشتراكات والمساهمات". ولكن الأهم من كل ذلك بحسب "منصور" هو ما "يُفسر مفهوم المؤسسة وجوهر وجودها في التكافل والتضامن والإقراض الحسن، من خلال مشروعي الاشتراك والمساهمة .. في الأول يكون مسار القروض من الميسورين إلى المقترضين، أما في الثاني فيكون من المقترضين إلى المقترضين أنفسهم" بحسب منصور.
 
الصدقة بعشرة والقرض بثمانية عشر

هي دورة مالية بسيطة اذاً، ولكنها تفعل فعلها في مجتمع يئن من وجع الضغوطات والحاجات ومن جشع التكتلات المالية الربوية المستحكمة .. وعلى بساطتها، إلا أن المؤسسة النشيطة هذه، صرفت في العام 2018 نحو 197000 قرض، بما يعادل قيمة النصف مليار دولار أميركي .. إنه أمر لا يُستهان به، يلفت منصور لموقعنا.. مشيراً إلى أن الجمعية بحالة تطور وتوسع دائم، وقد تخطى عدد فروعها في لبنان الثلاثين فرعاً، ويعمل فيها أكثر من 450 موظفاً.. ويضيف المدير التنفيذي لموقع "العهد" أن العمل جارٍ على تطوير أفقي وعمودي في المؤسسة، من زيادة فروع سنوياً، وموظفين، وتقدم إداري وتقني وفي أساليب العمل على جميع الصعد".

أشبه بتحدٍ يبدو الأمر بالنسبة للجمعية .. وهي التي وُلدت أيام الاجتياح الإسرائيلي كما أسلفنا، وواجهت أصعب الظروف وتعرضت لأكبر الضغوط، بعد أن هدّمت الصواريخ الإسرائيلية عدداً كبيراً من فروعها، مع محتوياتها وتحديداً موجودات الذهب لديها .. لكن ذلك لم يكن سوى حافز جوهري للبقاء إلى جانب المجتمع واحتياجاته التزاماً بالقاعدة الدينية المحمدية التالية:

"من أقرض مؤمناً ينتظر به ميسرة، كان ماله زكاة، وكان هو في صلاة الملائكة، حتى يؤدى اليه".

إقرأ المزيد في: خاص العهد