آراء وتحليلات

24/05/2019

موازنة 2019... منتهية الصلاحية

يوسف الريس
غياب الموازنة مستمر.. خرق غياب الموازنة الذي استمر اثني عشر عاما بموازنة 2018 رغم التعدي الواضح على إحدى أهم قواعد الموازنة المتمثل بقطع الحساب، وحتى الآن لا تزال موازنة 2019 قابعة بجلسات مجلس الوزراء يتهافتون فيها على المس بالطبقة الفقيرة وموظفي القطاع العام.
 
علميا، تمثل الموازنة قانوناً يصدر عن مجلس النواب بناء على مشروع القانون التي تقدمه الحكومة. أما فحوى القانون فهو نفقات وإيرادات الدولة للعام القادم. رغم المعرفة العلمية والقانونية بذلك لا يزال مجلس الوزراء يخرق القانون في كل يوم يصرف فيه اعتمادات ويجبي فيه الضرائب. صلاحية الحكومة بالجبي والصرف تنبثق من الموازنة والتي ما زالت غائبة بعد مرور خمسة أشهر على بداية العام. ما لا يمكن تجاوزه هو قطع الحساب، والذي لم يتم الحديث عنه حتى الآن.

عمليا، خلصت الحكومة في جلساتها إلى بنود تطمح فيها لتقليص العجز ليقل عن 7.5% من الناتج المحلي أي ما يمثل 4.1 مليار دولارعن طريقي الضرائب والنفقات. رغم الفساد المستشري في الدولة العجوز يعمل الوزراء على ضرب الطبقات المتوسطة والفقيرة. لم تعد هذه الطبقات تحتمل مزيدا من الغلاء المعيشي أو من نمط الحياة المتعب. لا تقدم دولتنا أيا من الخدمات التي تستحق عليها الجباية. لا يحصل اللبنانيون على الكهرباء، الماء، الطبابة، أو حتى التعليم. لا تؤمن الدولة الحاجات الأساسية للمواطن التي تجبي على أساسها الضرائب.
 
مشروع الموازنة المسرب لا يحتوي على تفاصيل تقليص العجز. ولكن ما يمكن تأكيده من خلال الجو العام أن الضرائب المرتفعة ستقلص الاستهلاك. وما من نتيجة واضحة لهذه الخطوة. فالسوق الراكد أصلا سيتفاجأ بانخفاض الاستهلاك وما من عواقب محمودة لهكذا خطوة. قد تكون هذه الخطوة ذات فعالية اذا ما ترافقت معها خطة نقدية تدعم الانتاج والتي لم يتم التطرق إليها حتى. ما يتم تداوله أن هذه الإصلاحات طويلة الأمد ولكن ما لم يتم الحديث عنه هو هدف هذه الخطوات.  ما يمكن توضيحه أن خفض العجز ليس بهدف بل هو نتيجة واضحة لأي إصلاح على صعيد  نفقات الحكومة والفساد المستشري فيها وبذلك يبقى المتغير الاقتصادي المستهدف مجهولاً.

إن رسم الخطة الاقتصادية يجب أن تكون مبنياً على أرقام محددة. لا يمكن العمل بخطة دون مقاربة الكلفة لهذه الخطة مقابل عائداتها آخذين بعين الاعتبار كلفة الفرصة البديلة. علاوة على ذلك، إن الشفافية في إطلاق أي خطة هي إحدى ضرورياتها. فأحد أسباب توجه المصارف المركزية في العالم لطرح نسبة التضخم على أنها معيار نجاح هو لتسهيل فهم المواطنون لنتيجة الخطة الاقتصادية للدولة. أما في لبنان، ما من طرح يوضح أساس أو هدف الخطة فكل ما تبني الحكومة عليها بنود  الموازنة هو الحصول على دين جديد.

وبنظرة عامة للاقتصاد اللبناني يمكن استخلاص أن الدين العام في اطراد، القطاعات الإنتاجية في تقلص، الليرة ثابتة لحين، التضخم في ازدياد، البنى التحتية غير مؤهلة والنفط منسي.. أما الشق الخدماتي فيعمل على ضرب ما تبقى منه من الجامعة اللبنانية والمستشفيات الحكومية. وبالتالي بات الإصلاح ضرورة لإنقاذ الاقتصاد الهش.

بغض النظر عن أي من بنود هذه الموازنة ما يمكن تأكيده أن ما يتم العمل به بعيد عن العمل العلمي لوضع خطة استراتيجية اقتصادية. بالإضافة الى ذلك، فإن تخطي المهل القانونية ليس فقط خرقاً قانونياً بل هو يسوّد حالة اللا انتظام. فما هي ضرورة موازنة بعد انقضاء عام تنفيذها؟ وما هي فعاليتها؟

حتى الحديث عن وضع لبنان في إطار اقتصادي معين لتهيئته للسنين القادمة ليس واقعياً. القانون والمنطق يحتمان على الحكومة أن تبدأ بوضع موازنة 2020 بدل استنزاف ما تبقى من أمل للبنانيين في بلدهم عبر موازنة منتهية الصلاحية.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات