خاص العهد

24/05/2019

عن تعميم بطيش ومستقبل الليرة

فاطمة سلامة

كثيراً ما يُعوّل على "التشخيص" لعلاج الحالات المستعصية على الحل. إلا أنّ هذه "القاعدة" لا تبدو "واردة" عندما نتحدث عن الواقع الاقتصادي في لبنان. الجميع يُشخّص "الأمراض" التي تنخر الاقتصاد، إلا أنّ أحداً لا يأتي بحل لإنقاذه. في كل مرّة يجري فيها الحديث عنه، يُبدع أهل السياسة في "تشريح" الواقع المالي والنقدي الصعب. لا يترك هؤلاء "ستراً" مخبأ على الحالة "الصعبة". في الحديث عن اقتصاد البلد "المنهار" و"المتدهور"  لا ملل. حاضرون للإدلاء بما لديهم من تجارب و"نظريات" ومقاربات. أما عندما يجد الجد ويُسأل هؤلاء عن الحل، تراهم يتقاذفون كرة المسؤولية، بعضهم يُفصّل حلولاً على "مقاس" مصالحه السياسية والمالية، وآخرون يصبحون فجأة بلا صلاحيات "لا يحلون ولا يربطون".

الحديث مع خبراء اقتصاديين وأصحاب خبرة في الملف المالي يفتح الآفاق أمام الكثير من الحلول للواقع الاقتصادي الصعب. تبدو مهمّة إنقاذ المالية العامة من أبسط المهمات إذا ما وُجدت الإرادة. ولا نبالغ إذا قلنا إنّ عشرات التقارير والمقالات التي أُعدّت مؤخراً، حملت معها الكثير من الحلول الناجعة والتي يتحوّل بموجبها الاقتصاد من "ريعي" الى "منتج" بعد أن خنقت "العقلية" الريعية المالية العامة على مدى عقود، وأفرزت كل ما نحن فيه من بلاءات على الصعد المالية والنقدية. يتحدّث الخبراء عن حلول "بسيطة" لكنّها كفيلة بتعزيز الاقتصاد. بعض الحلول قد لا تحتاج سوى الى قرار جريء مفيد يُساهم ولو بجزء بسيط في علاج الوضع الاقتصادي، تماماً كالتعميم الذي أصدره وزير الاقتصاد منصور بطيش اليوم الجمعة والذي ينص على وجوب إعلان الأسعار بالليرة اللبنانية تحت طائلة التدابير القانونية.

الكاتب والباحث الاقتصادي زياد ناصر الدين يتحدّث عن التعميم المذكور بالإشارة الى أنّه خطوة إيجابية جداً تأخّر إصدارها على مدى 30 عاماً. وفق حساباته، فإنّ هذا القرار المفيد للاقتصاد "تُرفع له القبعة" لما له من انعكاسات مهمة على السوق اللبناني نستطيع بموجبه أن نؤكّد أننا لسنا اقتصاداً "مدولراً". برأيه، فإنّ هذه الخطوة تدل على أننا بدأنا نفكّر بطريقة صحيحة ـ خارج السياسات المالية الريعية والصفقات و"السمسرات" ـ قبل أن ندخل الى مرحلة الانقاذ الحقيقية. بدأنا نولي أهمية لعملتنا الوطنية الأساسية ونحافظ عليها ربطاً بالاستقلالية الاقتصادية.

يعود ناصر الدين ليؤكّد أن خطوة بطيش مفيدة للاقتصاد إذ تُسهم في تخفيف الضغط النقدي والمالي. فمن ناحية يتم تخفيف الضغط على العملات الأجنبية الصعبة، ومن ناحية أخرى نُعزّز وضع الليرة بعيداً عن ربط استقرارها بالدين العام، وندفع الدورة المالية في جزء أساسي منها الى دورة لبنانية ما يُعزّز الثقة بالدولة.

كما يُسهم التعميم ـ برأي ناصر الدين ـ في تخفيف الضغط عن ميزان المدفوعات ويعمل على تشجيع الانتاج المحلي. حسنة أخرى يُدلّل عليها المتحدّث تتمثّل في أن تعامل الشركات بالليرة سيُخفّف ضغط الفوائد المرتفعة على المالية العامة ويساعدنا في وضع رؤية جديدة وخطة متماسكة بين النقد والمال والاقتصاد. يرسم ناصرالدين تلك الرؤية بالمعادلة التالية: جذب إيداعات بالدولار، والتشجيع على استثمارها بالليرة اللبنانية. لهذه المعادلة آثار إيجابية واسعة، وبها سيُعاد النظر حُكماً بالفوائد المرتفعة المطروحة من المصارف لتصحيحها، كما سيتم وضع مراقبة جدية للأسعار.

يُسهب المتحدّث في الحديث عن آثار التعميم المهمة والتي لن تنحصر بملفات معيّنة بل ستمتد الى ملف الإسكان والقطاعات المرتبطة به. حتى عندما سيدخل لبنان سوق النفط عام 2020 وسيكون منصة لجذب الايداعات المالية التي ستأتي بالعملات الأجنبية، وتتحوّل الى ايداعات وطنية، سنستفيد من هذا التعميم لتقوية وضع الليرة، وتعزيز الاقتصاد اللبناني. إنّه قرار مفيد جداً، يختم ناصر الدين.

إقرأ المزيد في: خاص العهد

خبر عاجل