آراء وتحليلات

14/05/2019

تحرير ادلب: الطريق نحو كسر المخطط الأميركي

غالب أبو زينب
إن التوتر الذي تشهده المنطقة يعبر عن المستوى الدقيق الذي بلغته الأمور، إذ منذ اللحظة التي تشكلت فيها الانعطافة الكبرى في الحرب على سوريا وتم تحرير مدينة حلب وتنظيف مناطق مختلفة من سيطرة الإرهاب المتنوع والانتقال إلى مسار القتال السياسي في لحظة بدت ضرورية للجميع لالتقاط الأنفاس واستجماع القوة وإعادة التخطيط ورصد المسارات واستغلال الدروس والعمل على تسبيل الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية، في هذه الأثناء بدا أن الإدارة الأمريكية التي عانت من انكسار مخططها عبر خسارة أدواتها والداعمين لهم، عملت على الدخول في مرحلة الاستيعاب والهضم لكل ما جرى والسعي إلى تحويله لفرصة حقيقية لترسيخ وجودها في سوريا والمنطقة عموماً. لذا فإن الفترة الفاصلة بين وقف إطلاق النار برعاية مسار الأستانة واليوم، شهدت عدداً من التحركات السياسية والميدانية في أكثر من جهة. إن الترابط القائم بين مختلف ما يجري من أحداث يشكل لوحة متكاملة لا يمكن الفصل بين تأثيراتها المتبادلة على طريقة "الأوعية المستطرقة" في الهجوم الممنهج على محور المقاومة "الذي لا يضم روسيا بطيعة الحال". والذي يمكن رصده في هذا الإطار من قضايا أساسية هو التالي:

1 ـ الهجوم على إيران في محاولة إطباق كاملة اقتصاديا عليها والسعي إلى عزلها، يعكس مركزية إيران في التصدي لمخططات الإدارة الأمريكية، ومنعها من السيطرة المريحة على المنطقة ومقاومة الإطباق على فلسطين وكتابة النهاية الفلسطينية في صفقة القرن، وما بينهما من حضور فعال للإدارة الإيرانية في نصرة الشعوب من شعب اليمن إلى لبنان إلى سوريا والعراق، وهذا يشكل المعركة المتعددة الأوجه بين استقلال القرار السياسي للمنطقة وعودته إلى أهلها وبين القضاء المبرم على التطلعات والآمال المختلفة ودفنها نهائياً على أيدي أنظمة هشة وشخصيات فارغة من أي مضمون عقائدي أو إنساني.

2 ـ اليمن الذي ما زال نازفاً بشدة بحرب قد استهلكت كل المقولات، لا تزال الإدارة الأمريكية ترى فيها "عدا عن الكسب المادي المباشر والابتزاز للدول المشاركة"، ضرورات إستراتيجية في تهيئة الحشد العام للتحولات المرتقبة التي تسعى إلى جعلها حقائق أساسية في نسج الواقع العربي والإسلامي وتمزيق كل مفاهيم الوحدة والعروبة والإسلام والقضايا المحقة والمصيرية وعلى رأسها فلسطين. ولعل الدعوة التي وجهها الأمين العام للمؤتمر الإسلامي لوفد صهيوني لزيارة المملكة يصب تماماً في إطار إعادة الادلجة التي تمارسها الإدارة في لحظة ابتزاز فاقعة، إلا أن ذلك ليس الأمر الوحيد، فاستنزاف قوة محور المقاومة في اليمن هو جزء لا يتجزأ من أهداف الحرب والنتائج المتوخاة، علماً أن الموقف الروسي الذي يغض الطرف عما يجري من ويلات على الشعب اليمني وما يرتكب من جرائم بحقه، طمعاً برضا المملكة السعودية وعدم إغضابها إنما يشكل حقيقة مزعجة لا يمكن تبرير أهدافها.

3 ـ وفي فلسطين يبدو واضحاً أن كل الضغوط والحصار من القريب والبعيد تريد أن تصل إلى النهاية السريعة لصفقة القرن لاغتنام الفرصة وعدم التفريط بكل ما ينجز. وحدها وبكل عز وشرف وحمل للواء القيم تقف إيران سداً منيعاً في وجه الطموحات والمحاولات الأميركية ـ الصهيونية من خلال دعمها للمقاومة في فلسطين والتعاون غير المشروط معها بالرغم من كل الأثمان التي تدفعها من حصار وخلافه، وهنا يبدو الروسي خارج المعادلة ذلك أن السلوك الروسي تجاه فلسطين لا يختلف عن سلوك الإدارة الأميركية إلا بطريقة الدعم، فالروسي يؤثر سلامة إسرائيل ويريد أن يكون الحامي لها ولا يحرك ساكناً لإزعاج الإسرائيلي الذي يعتبر ارتباطه به عضوياً من خلال وجود ما يقارب مليون يهودي روسي في الكيان الصهيوني ويعتقد الروس أنهم ورقة أساسية، يمكن أن تسهل لهم الأمور مع الإدارة الأمريكية وتؤمن مكاسب تقنية من الصهيوني مباشرةً.

4 ـ تبقى سوريا هي مركز الاهتمام والصدارة في تطورات الوضع في المنطقة. فالإبقاء على سياسية المراوحة فيها، يعني حكماً إفراغ كل النصر الذي جرى من مضمونه السياسي والاستراتيجي وإعادة تفعيل القوى الأخرى وفرض (ستاتيكو) تستفيد منه تركيا والإدارة الأمريكية. ولان سوريا هي العمق في محور المقاومة، فإن الدور الإيراني أساسي وفاعل في مساندته اللامحدودة للدولة السورية والشعب منذ اللحظة الأولى وهو دفع ثمناً غالياً لإبقاء سوريا دولة لا بؤرة للإرهاب. وبالرغم من اللحظة التاريخية للمشاركة الروسية والتي أعادتها إلى واجهة القوى العالمية، إلا أن إستراتيجيتها المتذبذبة ومحاولاتها المبالغ فيها في توظيف الانتصار في سوريا إلى أوراق سياسية تارة مع الأتراك وأخرى مع الإسرائيلي والإدارة الأمريكية والكرد، كل ذلك اظهر حقيقة أساسية تمثلت في التعاطي الروسي مع سوريا كساحة ومع شركائها في مواجهة الإرهاب كتقاطعات مصلحية وليس فرصة لإعادة بناء منظومة أساسية في مواجهة هيمنة الإدارة الأمريكية. لذا فإن جزءا مما تعاني منه الأمور في سوريا يتعلق بالخيارات والرهانات والسياسات الخاطئة للإدارة الروسية، التي يمكن القول إنها ما زالت غير مدركة لكثير من الحقائق وعلى رأسها رهاناتها غير الواقعية على الإدارة الأمريكية وإسرائيل ومتفرعاتها في سوريا والتي لن تصل بها إلى أي مكان.

إن الحديث يطول ليشمل قوساً من الأزمات في المنطقة، إلا أن التركيز المطلوب في هذه اللحظة هو عدم القبول بإبقاء المشهد على حاله، حتى لا يتم تجويف المكاسب الكبرى والسماح للإدارة الأميركية بإغراقنا بالوحول المختلفة.

إن هذا يتطلب خطوة شجاعة تكسر الحلقة المفرغة للوضع القائم من خلال العمل على تغيير الوقائع الجامدة في الميدان السوري والذهاب نحو ادلب لخلخلة كل ما يرسم ولضرب مخطط الإدارة الأميركية و"إسرائيل" في الصميم، وهذا يقتضي إدراك روسياً ولو مصلحياً أن كل الحلول المجربة قد فشلت وأنه آن الأوان من أجل إلحاق الهزيمة بالإرهاب والداعم الأميركي له ولرفع الضغط عن الجميع بما فيهم روسيا لنشهد خلالها مرحلة جديدة بمعطيات مختلفة، من الواضح أنها ستكون لمصلحة أبناء المنطقة في محور المقاومة في مواجهة أعدائهم.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات