آراء وتحليلات

13/05/2019

فشل ترامب مصيري بالنسبة لمستقبل "إسرائيل"

جهاد حيدر
لم يكن متوقعاً أن تلتزم "إسرائيل" الصمت ازاء احتدام التوتر بين الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية في ايران. ولكنها لم تُحدث ايضاً حتى اليوم ضجيجاً كبيراً، وهو أمر مفهوم حتى الان. فالرسائل التي تنطوي عليها مستجدات الكباش الاميركي الايراني، أو من ستنعكس عليه هي تل أبيب. وتحديدا التخفيف من الاجراءات النووية والاعلان عن عزمها رفع مستوى التخصيب بعد 60 يوماً في حال لم يتم تلبية مطالبها.

مع أن مصلحة تل أبيب في أن لا تكون في الواجهة، وأن لا تبدو كمن يُحرِّض واشنطن للتورط في حرب مع ايران إلا أن ذلك لا يعني التزامها الصمت، وهو ما لم تفعله، خاصة وأن الآداء الذي تمارسه ادارة دونالد ترامب ما هو الا ترجمة لما سبق أن روَّج له رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو خلال السنوات الماضية. فقد كان يجاهر بتحريض الولايات المتحدة لعدم التوقيع على اتفاق، ولاحقا بالانقلاب عليه. ويؤكد على ضرورة توجيه رسائل عملانية تهدف إلى تهديد وجود النظام الاسلامي. وإبقاء العقوبات عليها ومفاقمته وصولا إلى اخضاعه.

وتهدف "إسرائيل" وواشنطن إلى وضع طهران أمام سيناريوهين: اما البقاء تحت العقوبات أو الخضوع للمطالب الاميركية. وفي حال حاولت الرد عبر خرق الاتفاق النووي عندها ينبغي أن يؤدي ذلك، ـ وفق حسابات ومساعي تل أبيب ـ إلى ردة فعل أميركية. وهكذا تكون قد حققت أمانيها في استدراج الولايات المتحدة لحرب مع ايران.

مشكلة المعسكر المعادي لمحور المقاومة، وعلى رأسه الولايات المتحدة، أن ايران صمدت أمام موجات العقوبات الاقتصادية. ولم تقدم أي تنازل بل وجهت رسائل قوة وتصميم على التمسك بخياراتها. والان بعد سنة من "الصبر الاستراتيجي" ومن سياسة الاحتواء، يؤكدون في واشنطن وتل أبيب أن الاستراتيجية الايرانية تغيرت. وانتقلت إلى مرحلة الرد والمبادرة. وهو ما تجلى بشكل رئيسي في موقفها من البرنامج النووي الايراني.

في مقابل الحشود العسكرية، وجهت ايران رسائل تحدي وأعربت عن استعدادها وعزمها على الرد على أي استهداف عسكري لها. وقرنت ذلك برفض الاتصال بالرئيس الاميركي دونالد ترامب، كما طلب. وهو ما يؤكد على عزمها السير إلى النهاية.

أمام هذا المشهد المتوتر، وبالرغم من الارتياح الإسرائيلي، إلا أن القلق في تل أبيب، هو أن تخرج الجمهورية الاسلامية من هذا التحدي منتصرة كما حصل في كل المحطات السابقة. اما عبر رضوخ الطرف الاوروبي بالتوصل إلى اتفاق اقتصادي ما. أو عبر تراجع ترامب عن أي خطوات دراماتيكية في مقابل الخطوات الايرانية المضادة وتحديدا ما يتصل برفع مستوى التخصيب.

في هذه الاجواء، يسود في تل أبيب تقدير مفاده أن ارتفاع مستوى التحدي بين طهران وواشنطن، سيؤدي إلى انعطافة استراتيجية في المنطقة. وهو ما قد ينعكس على محيط "إسرائيل". ومن أبرز الساحات التي قد ينعكس فيها هذا التطور هما الساحة السورية ومع قطاع غزة.

حول ذلك، ارتفعت بعض الاصوات التي تحذر من أن يؤدي استمرار المعركة بين الحروب على الساحة السورية إلى نشوب مواجهة واسعة في المنطقة عبر الرد على "إسرائيل". ويخشون في تل أبيب ايضا من أن تستغل حركة الجهاد الاسلامي في القطاع تزايد الانشغال الإسرائيلي بالتوتر الايراني الاميركي وانعكاساته "من اجل زيادة الضغط وطلب تطبيق التفاهمات".

مع ذلك، فقد رأى رئيس معهد أبحاث الامن القومي، ورئيس الاستخبارات العسكرية السابق، اللواء عاموس يادلين أن المواجهة العسكرية ما زالت بعيدة بين ايران والولايات المتحدة. وأن ما جرى ليس إلا تبادل رسائل بين الطرفين. لكنه حذر من انتقال ايران من "الصبر الاستراتيجي" إلى الرد. عبر مسارين: الاول نووي للضغط على الاوروبيين، والثاني عسكري بهدف جبي أثمان من الاميركيين وربما الإسرائيليين. واعتبر أن المفتاح الذي سيحدِّد مستقبل التطورات يتمثل في الرد الاميركي الإسرائيلي على الخطوات الايرانية.

ودعا في المقابل إلى الاستنفار الاستخباري والعملياتي. وبلورة موازنة أمنية تأخذ بالحسبان متطلبات الجهوزية لمواجهة التهديد الايراني تتطلب المزيد من النفقات وبالتالي رفع منسوبها، كما يطالب نتنياهو.

بالنسبة للعدو الإسرائيلي، الكباش الدائر بين طهران وواشنطن هو لعبة مصيرية. حيث سيتحدد في ضوء نتائج هذه المرحلة معادلات المنطقة. وسترسم تداعياتها مسارات المنطقة وتؤسس لمرحلة جديدة من الصراع مع "إسرائيل". من هنا فإن فشل ترامب سيكون فشل إسرائيلي بالدرجة الاولى وستكون تل أبيب أول من سيدفع الثمن ولو بعملة مؤجلة.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات