خاص العهد

11/05/2019

 هل تعود أزمة النفايات من جديد؟ 

فاطمة سلامة

من منا لا يتذكّر أزمة النفايات التي مرّت ثقيلة على لبنان منذ ما يُقارب الأربع سنوات؟ حينها وصل صيت لبنان الى العالمية عبر صورة وثّقتها عدسة شبكة "سي إن إن". وفي الصورة بدا مشهد أقرب الى "السريالية"..لوحة "نهر من النفايات". أما مكان الحدث فكان الجديدة في المتن، حيث برزت أكياس القمامة المتراكمة وسط الأبنية السكنية والأشجار. بقية المناطق لم تكن أشفى حالاً، إذ انتشرت النفايات كالنار في الهشيم على مختلف الأراضي اللبنانية. لكن رُبما لسوء حظ هذه المنطقة أنها وقعت تحت عدسة الشبكة العالمية.

والجدير ذكره أنّ جذور أزمة النفايات لا تعود لعام 2015. هذا العام شهد الذروة في عمر هذه الأزمة التي تعود فعلياً لعقود. فلطالما كانت هذه القضية كالنار تحت الرماد تتجدّد كلما جرى الحديث عن إقفال مطمر هنا، وتوقف شركة عن العمل هناك. هذه الأزمة الحياتية التي تُلامس كل فرد في المجتمع لم تسلم أيضاً من شر السياسة ورجالها، ولم تسلم من سياسة تقسيم الكعكة والمحاصصات والعرقلات في سبيل تعبئة الجيوب. تلك "العقلية" كانت الأساس في عرقلة إيجاد حل جذري لأزمة النفايات التي يُتوقّع أن تعود حسبما تُبيّن "المعطيات".

جريصاتي سيعلن عن خطته للنفايات قريباً

وللأسف، لم تتمكّن وزارات البيئة المتعاقبة من جعل هذه الأزمة في خبر "كان"، بفعل الأسباب التي ذكرناها سابقاً، وبفعل بعض الجهات التي كانت تضع العُصي في دواليب الحل. وفي هذا الصدد، جرى ضخّ العديد من الاقتراحات التي بقي معظمها حبراً على ورق. وزير البيئة الحالي فادي جريصاتي يُشجّع على اعتماد اللامركزية بمعالجة أزمة النفايات، بحيث تعمل كل بلدية على معالجة نفاياتها. مصادره تؤكّد لموقع "العهد" الاخباري أنّه وفريق العمل في الوزارة بصدد إنجاز خطة للنفايات ستُعرض في نهاية المئة يوم فترة السماح المُعطاة للحكومة. وتُشدّد المصادر على أنّ الوزير يحرص على إبقاء الخطة بعيدة عن الإعلام ريثما يتم الاعلان عنها في مؤتمر صحفي يُرجّح أن يكون في نهاية الشهر الحالي.

درغام..أزمة النفايات من أصعب الأزمات التي تواجهها البلديات

رئيس اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية لبيروت محمد درغام يرى أنّ التجربة أثبتت أن أياً من الحكومات المتعاقبة لم يأت بحل واضح وجذري لهذه الأزمة "العالقة" منذ سنوات. يُرحّب المتحدّث بخطة وزير البيئة إذا ما أخذت بأيدينا الى الحل، لكنّه لا يُنكر أنّ أزمة نفايات جديدة ستلوح في الأفق، خصوصاً أنّ الوقت يُداهمنا لجهة إيجاد الحلول الضرورية، فحتى لو تضمنّت خطة الوزير جريصاتي إنشاء معمل تفكيك حراري مثلاً، هذا الأمر سيحتاج -إذا ما تم الاتفاق على موقعه- ما بين الثلاث والأربع سنوات في أحسن الحالات، وذلك بعد أن تأخذ الخطة موافقة الحكومة وتمر بالآليات الدستورية اللازمة، فكيف سنُرتّب أمورنا في الوقت الفاصل؟ يسأل درغام.

كما يلفت رئيس اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية لبيروت الى أنّه وفي حال تضمّنت الخطة إقامة مطمر صحي، فإنّه سيتعذّر على الدولة إقناع سكان المنطقة بإقامته في محيطهم. برأي درغام فإنّ هذا الخيار من أرخص الخيارات، وهو النموذج المعتمد في الكثير من بلدان العالم، لكن من الصعب تحقيقه في بلد يمتلك مشكلة قرار في الموقع الذي سيعالج النفايات. 

ويُشير درغام الى أنّ أزمة النفايات تكاد تكون من أصعب الأزمات التي تواجهها البلديات خصوصاً في ظل الأزمة المالية الحالية. فهذا الملف شائك ومعقّد ويحتاج الى إدارة سليمة من رأس الهرم، تماماً كما يحتاج الى تعاون بنّاء بين الدولة والبلديات والمواطنين.

يعود درغام ليُحذّر من أزمة نفايات جديدة خلال أشهر، لكنّه يُطمئن أن الضاحية الجنوبية لبيروت وبفعل بعض الاجراءات ستكون بمنأى عن هذه الأزمة أقله من سنة الى سنة وخمسة أشهر. ولكن بعد هذا التاريخ ماذا سنفعل؟. يسأل درغام الذي يوضح أنّ الروائح التي اشتكى منها المواطنون مؤخراً لم تكن بفعل أزمة نفايات في الضاحية، بل كانت بفعل الشاحنات التي كانت تنقل نفايات مدينة بيروت الى معمل صيدا.

وفي الختام، يشدد درغام على أن لا اطمئنان سوى بحل جذري لهذه الأزمة العالقة منذ سنوات. 

درويش..الأزمة لم تذهب حتى تعود

يتحدّث الخبير البيئي علي درويش عن مخاطر أزمة النفايات على الإنسان والبيئة. برأيه فإنّ مخاطر هذه القضية توازي عملية القتل الجماعي والإبادة الشعبية عن طريق الموت البطيء. ماذا عن الحلول؟ لا يرى المتحدّث حلاً جذرياً لهذه الآفة طالما الدولة تمتهن أسلوب الحقن عبر ابر "المورفين" والمسكنات بعيداً عن خطة استراتيجية واضحة المعالم تسعى لتغيير نمط الاستهلاك عبر سن تشريعات جديدة وتوعية الشعب اللبناني الى معالجة النفايات قبل خروجها من المنزل. وفي هذا السياق، يرى درويش أنّ الفرز من المصدر يليه الفرز الميكانيكي واليدوي في معامل متخصّصة يُشكلان الحل الأنجع لهذه الأزمة، والأسرع بحيث من الممكن أن نحصد النتيجة في غضون السنة والنصف.

يُعارض درويش فكرة إنشاء "المحارق". وفق قناعاته، فإنّ هذا الأسلوب ورغم أنّه باب للبعض لجني الأموال على حساب الشعب، إلا أنّه لن يأتي بالحل طالما لم نُجهّز الادارة اللازمة لهذه "المحارق" من كادرات علمية وتقنية وفنية بشكل يضمن أن لا تحمل معها أضراراً على البيئة والانسان. كما يُسجّل درويش معارضته لأسلوب تحويل النفايات الى طاقة. هذا الحل برأيه يحتاج خمس سنوات بالحد الأدنى، كما يحتاج الكثير من التجهيزات التي تبدو الدولة  اللبنانية عاجزة عن تأمينها. 

يُشدّد درويش على أنّ الدولة لطالما تعاملت مع هذه الأزمة عبر خطط طوارئ تماماً كما حصل عام 1997 حين أنشئ مطمر الناعمة، ولم تعمل السلطة خلال 17 عاماً على تأمين خطة استراتيجية لمعالجة الأزمة. كما أنّ المشكلة بنظر درويش لا تكمن فقط في المطامر، فهناك الآلاف من المكبات العشوائية المنتشرة في كل مكان والتي تشكل ضرراً جسيماً على صحة الانسان والبيئة. يأخذ المتحدّث على السلطة اتخاذها البحر كمطمر للنفايات الأمر الذي لم ينته عند حد معين، فكلما اشتدت الأزمة كلما وجدت هذه السلطة في البحر المكان الأنسب لطمر النفايات.

ويلفت درويش الى أن كثرا استفادوا من أزمة النفايات وحولوها الى فرصة يجنون المليارات من ورائها. يذكر على سبيل المثال شركة "سوكلين" التي لم يكن في ميزانيتها شيء فأصبحت مالكة لمليارات الدولارات على مدى سبع سنوات. كثر استفادوا من هذه الأزمة على حساب صحة الشعب يقول درويش الذي يختم بالتأكيد على أنّ ما نشهده في هذا الملف أقرب الى عملية الابادة الشعبية. 

 

إقرأ المزيد في: خاص العهد

خبر عاجل