آراء وتحليلات

06/05/2019

المقاومة تفاجئ العدو: ردود دون المواجهة الشاملة

جهاد حيدر
لم ينجح العدو الصهيوني في أن يفرض على المقاومة التسليم باستباحة مدنييها ومقاوميها. ويحاول في كل مرة أن يجعل من اعتداءاته الدموية حدثاً روتينيا باعتبار أنها تندرج ضم سقف معين. لكن قرار المقاومة بالدفاع عن نفسها وشعبها، أحبط حتى الان مساعيه ومخططاته. فاستهدف رجالها جنوده وضباطه ردا على اعتداءاته. وهو ما رأى به انكساراً لهيبته واسقاطا لمخططه، وتقويضا لسياسته. فعمد الى الثأر من خلال تصعيد عدوانه الذي واجهته المقاومة بارتقاء مدروس وهادف ضد مستوطنات جنوب الكيان الاسرائيلي.

لم تخفِ المقاومة خلفيات ردودها وارتقائها في الضغط على العدو، مؤكدة على ضرورة رفع الحصار، والالتزام بالتفاهمات التي تهدف الى تسهيل حركة المعابر بنقل الاغذية والادوية ومقومات الحياة، إضافة الى السماح بنقل الاموال. هذه المطالب التي تصر المقاومة عليها تأتي ايضا في سياق حركة المقاومة في الدفاع عن شعبها، وليست معزولة عن مواجهتها للاحتلال.

مع ذلك، فقد اختارت المقاومة توقيتاً مثالياً للضغط على العدو من أجل انتزاع مطالب شعبها. أتى هذا التصعيد في الرد على الاعتداءات قبل أيام على ما تسميه تل ابيب "عيد الاستقلال" وهو يوم إعلان "دولة اسرائيل" التي قامت على أنقاض الشعب الفلسطيني الذي تم طرده من أرضه. وليس من مصلحة اسرائيل أن يأتي هذا العيد في الوقت الذي تتساقط فيه الصواريخ على المدن والمستوطنات. والقيد الثاني الذي يحضر أمام قادة العدو، هو احتفال مسابقة الاغنية الاوروبية، أي مسابقة "يوروفيجن" للأغاني التي ينظمها اتحاد البث الأوروبي الاسبوع المقبل في "اسرائيل". وتعد أكبر حدث غير رياضي من حيث عدد المشاهدين، حيث يقدر عدد مشاهديها بمئات الملايين حول العالم.  وبالتأكيد ليس من مصلحة اسرائيل أن يأتي موعد هذا الاحتفال والصواريخ تتساقط على المدن الاسرائيلية. ويتخوف نتنياهو من هذا السيناريو ـ الكابوس كونه يُقدم اسرائيل كمنطقة غير آمنة بالنسبة للزائرين.

في ظل هذه الظروف، يبدو أن العدو كان يراهن بأن لا تجرؤ المقاومة على الرد والارتقاء بمستوياته الى ما شهده حتى الان. وكان يأمل بأن تؤدي رسائله النارية والدموية الى انكفاء المقاومة تجنباً للتصعيد. لكن الذي حصل أن المقاومة التي أكدت وتؤكد على أنها غير معنية بالحرب الشاملة، إلا أنها أظهرت بشكل ملموس على أن ذلك لا يعني أن تبقى مكتوفة الايدي ازاء اعتداءات العدو، وتكريس واقع الحصار والتضييق على سكان القطاع. من هنا أوضحت المقاومة حقيقة موقفها بأنها ليست مع الحرب الشاملة لكن ليس على حساب شعبها.

في المقابل، المؤكد أن العدو نفسه غير معني في هذه المرحلة بحرب شاملة، أو حتى ما يقرب منها، حتى لو ناور وأظهر توثباً في محاولة للايحاء بأنه على استعداد لهذا الخيار. وبات موقفه أكثر وضوحاً ـ تجنب المواجهة الشاملة ـ بعد سلسلة من المحطات القتالية. بل تحول هذه القضية الى محور تجاذب وخلاف أساسي داخل معسكر اليمين، وتحديدا مع رئيس "اسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان الذي يشترط للدخول الى الحكومة، بالاتفاق على سياسة امنية أكثر عدوانية ضد قطاع غزة.

مشكلة بنيامين نتنياهو ايضا، أن هذه المواجهة تأتي ايضا في ظل مساعيه لتشكيل الحكومة. وهو ما سيعزز حضور المقاومة والقطاع في المفاوضات الائتلافية. وهو ما سيُعقد من ارباك نتنياهو. فلا هو مستعد لتقديم تنازلات في مواجهة المقاومة، لأكثر من اعتبار يتصل بمعادلات الصراع، ولأسباب تتصل بمفاوضات تشكيل الحكومة.، وسبق أن أعرب نتنياهو في سياق الحملة الانتخابية بشكل صريح أنه لن يلجأ الى الخيار العسكري الواسع إلا في حال انعدام الخيارات البديلة. وهو ما جعله مكشوفاً أمام المقاومة. وساهم في تضييق المناورة لديه.

مع ذلك، يبدو واضحا حتى الان أن الطرفين معنيان بتجنب المواجهة الشاملة والمفتوحة، كلٌ لأسبابه.

فيما يتعلق بالعدو، من الواضح لدى قادته أن أي مواجهة واسعة ستكون مكلفة جداً على كافة المستويات، وستورط "اسرائيل" في مستنقع غزة، وتضعها أمام مستجدات ميدانية وسياسية سيكون لها مفاعيلها على مؤسسة القرار.

مع ذلك، لم تحل هذه الاعتبارات دون ارتقاء كل من الطرفين في رسائله الجوية والصاروخية. على أمل أن ينعكس ذلك في المفاوضات السياسية.

أكدت المقاومة في هذه الجولة، ايضا، عزمها على مواصلة مساعيها لرفع الحصار على شعبها. وعلى فشل محاولات العدو ثنيها عن هذا المسار. ويبدو أن العدو لم يفاجئ فقط بأصل رد المقاومة، بل يبدو أنه فوجئ ايضا بالمدى الذي ذهبت اليه عندما ارتقى في عدوانه. وهو ما سيؤدي الى تضييق خياراته ويرفع منسوب الخطورة لديه من الخيارات المطروحة على طاولة القرار.

بالرغم من أن الاجهزة الامنية الاسرائيلية أكدت مرارا بأن استمرار الوضع القائم في القطاع سيبقى يستدرج جولات قتال جديدة من دون أي حسم. وأن تقديم تسهيلا محدّدة قد يحول تكرارها بالمنسوب الذي تشهده اسرائيل. لكن ذلك كله، لم يدفع نتنياهو لتلبية هذه التوصية. ويبدو أن السبب مرتبط بأكثر من اعتبار الاول أنه سيشكل انجازا للمقاومة ويسلب اسرائيل أحد أهم الاوراق للضغط عليها في القطاع. والثاني، أنه سيؤدي الى ارتفاع مستوى الانتقادات له من داخل معسكر اليمين.

تبقى حقيقة لا لبس فيه، هي أن "اسرائيل" لا تملك حلاً لمشكلتها مع القطاع. ولا يبدو أن القطاع سيجد حلا يلبي طموحاته في المدى المنظور، لكن هذا لا يعني أن المقاومة ستكف عن مساعيها لتحسين الوضع القائم في سياق مواصلة خيار المقاومة ضد الاحتلال.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

خبر عاجل