آراء وتحليلات

04/05/2019

العلاقات الصينية ـ الاوروبية الى أين؟

صوفيا ـ جورج حداد

انطلقت الأزمة المالية ـ الاقتصادية سنة 2008 من الولايات المتحدة الاميركية واتخذت على الفور طابعا عالميا نظراً لضخامة الاقتصاد الاميركي وارتباطه الوثيق بالاقتصاد العالمي بأسره. وفي مواجهة هذه الأزمة والعمل لإيجاد الحلول لها برز خطان رئيسيان في الجيواستراتيجيا الاقتصادية العالمية:

الخط الاول ـ الاميركي: الذي يضع مصلحة الاحتكارات الكبرى الاميركية ـ اليهودية فوق مصالح جميع دول وشعوب العالم، على قاعدة "ومن بعدي الطوفان".

وبناء على هذا الخط قامت الادارة الاميركية برفع سقف الدين الاميركي العام وطباعة تريليونات جديدة من الدولارات الورقية الاميركية (بدون تغطية ذهبية) وضخها في الدورة المالية العالمية، مما أدى الى تحميل الاقتصاد العالمي وجميع دول العالم، الصديقة والمخاصمة لاميركا، تبعات الازمة المالية ـ الاقتصادية الاميركية، وحل الازمة داخل اميركا على حساب الجميع بدون استثناء.

وانطلاقا من هذه الجيواستراتيجيا المالية والاقتصادية الاميركية شنت ادارة ترامب حروبها الجمركية والعقوباتية والتجارية والبلطجية (ادفعوا.. ادفعوا..!) ضد حلفائها الناتويين وغير الناتويين وضد روسيا والصين وايران والاتحاد الاوروبي، بالاضافة الى حملتها الابتزازية ـ الاذلالية ضد شيوخ النفط العرب الذين صاروا ملزمين بأن يدفعوا مئات والاف مليارات الدولارات لاميركا مقابل "حمايتها!" لهم.

والخط الثاني، هو الخط الروسي ـ الصيني: الذي تضطلع فيه روسيا بدور المحرك الاول و"الحارس العسكري" الاول نظراً للقوة العسكرية الاستثنائية لروسيا التي تشكل ضمان امان لجميع شعوب العالم، وللسلام العالمي.

ويقوم هذا الخط على الانفتاح والتعاون والتعاضد بين مختلف الدول والبلدان والشعوب على اختلاف معتقداتها واديانها وحضاراتها، وبما يتجاوز الخلافات السياسية والايديولوجية القديمة والنزاعات الموروثة من الماضي ولا سيما من الحقبة الاستعمارية التقليدية.

وبناء على هذا الخط طرحت روسيا مفهوم الجيواستراتيجيا الاوراسية، للانفتاح والتعاون والاتحاد بين دول وشعوب اسيا واوروبا، كأساس متين للانفتاح والتعاون بين جميع دول وبلدان العالم.

ومن ضمن ذلك  طرحت الصين مشروعها العالمي الضخم المسمى "حزام واحد، طريق واحد"، الذي يقوم على تشكيل شبكة خطوط موحدة للتجارة العالمية والنقل البري والجوي والبحري، ومحطات موحدة لتجميع وتوزيع حاويات السلع من مختلف البلدان مما يتجاوز حواجز الجمارك ويوفر المال والوقت في معاملات الشحن والتصدير والاستيراد والترانزيت، ويتيح للبلدان ذات الاقتصادات القوية ايصال منتوجاتها في كل الاتجاهات، كما يتيح للبلدان ضعيفة الاقتصاد عرض وبيع منتوجاتها على اوسع نطاق ممكن، وبأقل نفقات للعرض والشحن من قبلها. وقد اصبح المشروع الان يشمل عشرات البلدان في اسيا وافريقيا واوروبا.

وعلى ضوء هذا المشروع العالمي للصين، والمدعوم بقوة من قبل روسيا، من المهم جدا النظر في العلاقات بين الصين والاتحاد الاوروبي، باعتبار ان اوروبا تمثل الكتلة الاقتصادية ـ السياسية الضخمة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة الاميركية.

وقد بدأ يتبلور الان في الاتحاد الاوروبي الموقف القائم على النظر الى المزاحمة مع العملاق الصيني على أنها تتطلب إعادة تشكيل السياسة الاوروبية، باستقلالية عن التبعية الى الولايات المتحدة الاميركية. وتأتي هذه اليقظة الاوروبية الجديدة في وقت اصبحت فيه الصين تمتلك رافعات قوية للتأثير والنفوذ عالميا وفي عدد من العواصم الاوروبية ذاتها. وطالما ان الاتحاد الاوروبي هو غير موحد، فإنه مهدد بأن يصبح ملعبا او ساحة مزاحمة بين اللاعبين الكبيرين الولايات المتحدة الاميركية والصين الشعبية.

وقد نظر الاتحاد الاوروبي الى الصين، لمدة طويلة، على أنها لا اكثر من "يابان" جديدة. أما الان فقد بدأ يعي ان امامه ليس مجرد شريك اقتصادي كبير، وانما قوة استراتيجية عظمى ذات سلطة أحادية قوية. وقبل اكثر من شهر كانت "اللجنة الاوروبية" (شبه حكومة الاتحاد الاوروبي) قد اصدرت وثيقة استراتيجية، وصفت فيها الصين بأنها "مزاحم اقتصادي يطمح نحو الاولوية التكنولوجية، مزاحم يعمل لايجاد نظم بديلة للادارة". وتقترح الوثيقة اجراء تعديلات في سياسات الاتحاد الاوروبي في عدد من الحقول "لحماية المعلومات والقواعد المضادة للاحتكارات، ووسائل التواصل واستراتيجية الذكاء الاصطناعي". ومن الواضح ان الاتحاد الاوروبي يريد القيام "بما يشبه الثورة في العلاقات مع الصين" حسبما يؤكد تحليل نشرته مجلة Foreign Affairs الاميركية.

وفي 9 نيسان/ ابريل الماضي عقد اجتماع بين رئيس الوزراء الصيني "لي كه تشيانغ" ورئيسي "اللجنة الاوروبية" و"المجلس الاوروبي" التابعين للاتحاد الاوروبي. وفي هذا الاجتماع وعد "لي كه تشيانغ" بأن الشركات الاوروبية التي تتعامل مع الصين لن تكون ملزمة بتقديم المعلومات التكنولوجية الدقيقة الخاصة بسلعها. كما التزم بأنه في خلال سنة من تاريخ اللقاء سيتم تحضير اتفاق للاستثمارات بين الاتحاد الاوروبي والصين. وترى بروكسل (عاصمة الاتحاد الاوروبي) ان مثل هذا الاتفاق يعتبر وسيلة لتحسين وصول الشركات الاوروبية الى السوق الصينية وتسهيل شراء الحصص في الشركات الصينية من قبل المستثمرين الاوروبيين. كما ترى انه ـ اي هذا الاتفاق ـ سيفتح الطريق للعمل على اصلاح القواعد المتبعة في منظمة التجارة العالمية.

ان لقاء القمة الاخير المشار اليه مع رئبس الوزراء الصيني هو خطوة مهمة نحو اعادة نظر شاملة في العلاقات الاوروبية ـ الصينية. وصار من المستبعد ان يلجأ القادة الاوروبيون الى الخطاب العدائي ضد الصين على الطريقة الاميركية. والمحرك الاقوى لتغيير نمط العلاقات الاوروبية ـ الصينية هو الاقتصاد، الذي تستند اليه الصين لزيادة نفوذها في اوروبا. ومن الامثلة على ذلك انه في 2016 حصلت الشركة الالكترونية الصينية  Midea على الشركة البافارية Kuka، التي تعتبر جوهرة الصناعة الروبوتية الالمانية. وتتوجه فرنسا والمانيا نحو تشكيل "شركات اوروبية كبرى" قادرة على مزاحمة العملاقين الصيني والاميركي. وعلينا ان نشير هنا الى النفوذ المتزايد للصين في اوروبا. وآخر مثال على ذلك هو انضمام ايطاليا الى مشروع "حزام واحد، طريق واحد"، الذي يصفه المحلل الفرنسي فرنسوا إسبور بأنه "المفهوم الصيني لتنظيم المدى الحيوي العالمي". وفي هذا السياق تدخل المبادرة الصينية 16+1، التي يشارك فيها 16 دولة من اوروبا الشرقية، منها 11 عضوا في الاتحاد الاوروبي. وبعد لقاء بروكسل، سافر رئيس الوزراء الصيني الى كرواتيا للمشاركة في مؤتمر قمة تشكيلة 16+1.

وبالرغم من ان الادارة الاميركية لا تزال تنجح في ان تفرض على اوروبا مواقف معادية للصين، الا ان ترامب يصف الاتحاد الاوروبي بأنه "عدو اسوأ من الصين". وحينما كان "لي كه تشيانغ" يجتمع مع قادة الاتحاد الاوروبي في نيسان/ أبريل الماضي، كان ترامب يفرض على دول الاتحاد الاوروبي ضرائب جمركية استثنائية بقيمة 11 مليار دولار، دافعا اوروبا الى المزيد من التقارب مع الصين. ولا يزال الخطر قائما بفرض ضرائب اضافية على استيراد السيارات الاوروبية. وتنقل New York Times عن المحلل فرنسوا إسبور استنتاجه التالي "تستخدم الصين العسل، في وقت تستخدم فيه اميركا الخل. ان اميركا تدفع اوروبا للتوجه نحو الصين".

ان خط الزعامة والهيمنة العالمية لاميركا يسير بسرعة نحو الفشل، وهو يتحول الى العزلة الآيلة الى تفكك وانهيار الامبريالية الاميركية وملحقاتها. وهذا ما سيفتح الطريق نحو نشوء عالم جديد متعدد الاقطاب يسود فيه الانفتاح والتعاون والتفاعل الخلاق بين مختلف الشعوب والبلدان والاديان والحضارات؛ عالم تحميه روسيا باسلحتها الصاروخية والنووية الجبارة وتكنولوجيتها العسكرية الخارقة، والى جانبها الصين بجيشها الشعبي المليوني الجرار.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات