آراء وتحليلات

03/05/2019

رسالة السيد نصر الله للمصارف: مبادرة بحجم وطن!

محمد علي جعفر
"نحن أهل بلد واحد وسفينة واحدة، فيا اصحاب المصارف في لبنان، اذا لم تتعاونوا وانهار الوضع المالي والاقتصادي فما هو مصيركم ومصير استثماراتكم؟".

بهذه الكلمات ومن منطلق الواجب الوطني والأخلاقي، خاطب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، المصارف اللبنانية. يمكن القول أنها المرة الأولى التي تُوجَّه فيها رسالة واضحة للمصارف اللبنانية من زعيم سياسي لبناني. في طيات الكلام، تعبيرٌ عن حجم القلق من الوضع الذي وصل اليه الإقتصاد اللبناني، وتأثيرات ذلك على لبنان كدولة والوضع المعيشي للمواطن اللبناني. وليست بعيدة هذه الرسالة عن النقاش الدائر حول الموازنة اللبنانية، ووضوح صعوبة الوصول الى حل جذري، ومحاولة الخروج بحل توافقي، يبدو واضحاً للجميع أنه سيكون على حساب المواطن اللبناني. فأين يكمن دور المصارف في الأزمة الأقصادية اللبنانية؟

في النقاش المتعلق بالمصارف ودورها عدة نقاط يمكن الإشارة لها، نذكر أهمها في التالي:

أولاً: إن المشكلة الإقتصادية في لبنان، وارتباطها بالسياسات المالية والنقدية للدولة والمصرف المركزي، تعود لحقبة الخمسينات من القرن الماضي (1950). تَرافقت هذه التوجهات مع التحول العالمي نحو الإقتصاد الحر وسياسات العولمة. واكبت السلطة في لبنان هذه التوجهات، ومن خلال إدارتها للدولة، جعلت سياساتها تعبيراً عن مصالحها الخاصة، دون تجييرها لمصلحة النهوض والتطوير الإقتصادي.

ثانياً: هذه السياسات كونت النموذج الإقتصادي اللبناني، وشكلت أصل تكوين الدخل في لبنان، حيث أعطت الأولوية لأصحاب الرساميل كأساس في تكوين الدخل الوطني من خلال الفوائد على توظيف هذه الأموال (وهنا الدور التاريخي للمصارف والعقلية المصرفية في الأزمة).

ثالثاً: ساهم ذلك، في جعل إقتصاد لبنان، إقتصاد ريعي استهلاكي وضعيف، قائم على الإيداعات، بدلاً من اعتماد نموذج الرأسمالية الصناعية الهادفة الى تجيير الأموال لخدمة عمليات التنمية والنهوض بالدولة وقطاعاتها.

اليوم، تكمن المشكلة في لبنان بأولوية المصالح المالية على المصالح الصناعية والإنتاجية. كافة الهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان كانت لخدمة مصالح أصحاب الرساميل، ولم تكن هندسات تشجيعية لإستثمار الأموال في مشاريع تطويرية تنهض بلبنان وتجعله قادراً على تأمين اكتفائه الذاتي (مشاريع ريادة الأعمال، مشاريع أنظمة المعرفة..).

في حين تُشير التجارب الآسيوية، الى أن أغلب الدول التي استطاعت تحقيق النهوض في الإقتصاد ومارست التنمية على كافة الأصعدة، لجأت الى إيلاء الأهمية لدور القطاع المصرفي والمالي، ولكن ضمن مقاربة مختلفة عن الطريقة اللبنانية. بحسب التجارب يكتسب رأس المال المالي شرعيته عندما يكون في خدمة التطوير الصناعي للدولة وقطاعاتها. ما يحتم مراقبة حركة الرساميل وضبطها وكذلك وضع سياسة للإنفتاح الإقتصادي تعطي الأولوية للمصالح الوطنية.

في لبنان المقاربة مختلفة. يعيش اللبنانيون تحت رحمة أرباب المال وأصحاف العقلية الموروثة التي تسعى لرفع مستوى الإيداعات دون أن تكون لأهداف تطويرية وتنموية، بل خدمة لأرباح خاصة. النقاش الأخير حول الموازنة لم يقترح مشاركة أصحاب الكتلة النقدية الأكبر (المصارف) بشكل فعلي في الحلول، إن عبر رفع الفوائد على أرباحهم أو عبر تطوعهم بإيجاد حل فيما يخص الدين العام يساعد في التخفيف من الأزمة   الإقتصادية التي تعاني منها الدولة اللبنانية.

هي نفسها العقلية الموروثة لأهل السلطة والحكم في لبنان. تُعتبر المصارف أقوى القطاعات اللبنانية. دون أن تكون قوتها لصالح الدولة، بل لصالح السلطة الحاكمة للدولة. في لبنان، تطغى المصالح الخاصة على مصالح الدولة والوطن. واقعٌ رسخته سنوات من الإستزلام السياسي، كنتيجة طبيعية للحرب اللبنانية التي أوصلت أطرافها الى الحكم. اليوم، يقف الجميع أمام تحدٍ مختلف ومغاير. يبدو أن الأزمة تكمن في تحديد الأولويات. حيث تتناقض مصلحة الدولة والوطن مع مصلحة أصحاب الأموال، وتنعدم الخيارات الحقيقية والمؤثرة، إلا خيار الإلتفاف حول مصلحة الدولة والوطن وتقديم البعض للتنازلات الضرورية. من هذا المنطلق، جاء كلام السيد نصر الله!

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات