خاص العهد

01/05/2019

"الموازنة" والضرورات المفقودة

فاطمة سلامة
أكثر ما يستوجب التوقف عنده في خضم النقاشات الجارية لإقرار الموازنة، هي انتقال المواطن من ضفّة "الهجوم" على السلطة السياسية الى ضفّة "الدفاع" عن حقوقه ومكتسباته. "الهجوم" بهذا المورد يحمل كل أوجه المطالبة والمحاسبة والمساءلة لهذه السلطة التي يعاني شعبها ما يعانيه من أوضاع معيشية صعبة. هذا التحول يبدو أمراً مستغرباً، فبدلاً من أن يضغط الشعب على هذه الحكومة لدفعها في اتجاه تضمين الموازنة ما يُحوّل الاقتصاد من ريعي الى منتج، ـ أو أقله ما يضمن حقوق الدولة المهدورة ـ، ويُحسّن المستوى المعيشي، انقلبت الصورة واستنفذ الشعب طاقته في معركة حماية حقوقه. هذه الجزئية فقط ـ وإن تبيّن لاحقاً أن جزءاً منها لم يكن دقيقاً أو تم التراجع عنه تحت ضغط الشارع ـ إلا أنها تكفي ربما للإشارة الى العقلية السياسية المحدودة التي لا تزال تُطوّق مسار الاقتصاد اللبناني، والتي تتعامل معه على قاعدة "كل يوم بيومه" مع ما يحمله هذا الأسلوب من سوء إدارة وضعف تخطيط وهدر طاقات وقصر نظر، ولكل منها تبعات ستنبت حكماً في رأس الاقتصاد اللبناني.

وبغض النظر عن كل ما قيل ويُقال في هذا الصدد، سواء لجهة الحديث عن إشاعات غلّفت مشروع الموازنة، أم العكس. فإنّ النقاش حول موازنة هذا العام أثار الكثير من الجدل واتخذ بعداً مختلفاً عن السنوات التي أنجزت فيها الموازنات. ولدى سؤال أهل الاختصاص أو من تابعوا إنجاز  الموازانات عن السبب، يجيبون بلا تفكير بالاشارة الى الوضع الاقتصادي الذي نعيشه. لبنان في وضع لا يُحسد عليه. يكاد يكون في أسوأ حالاته، إذا ما تحدّثنا عن العجز والمديونية، وخدمة الدين العام، ونسبة النمو التي لا تُذكر، وغيرها الكثير من المؤشرات التي دفعت بـ"الموس" الى رقبة الاقتصاد.

ولكي لا نذهب بعيداً في توصيف الواقع الذي بات أشهر من نار على علم، ثمّة ملاحظات تُسجّل على مشروع الموازنة العتيد انطلاقاً من الأصول التي تحكم إعداد الموازنات في أي بلد. الكاتب والباحث الاقتصادي زياد ناصرالدين يُسجّل جملة ملاحظات على هامش الموازنة انطلاقاً من الوظيفة التي من المفترض أن تؤديها أي موازنة والدور المنوط بها أن تلعبه لجهة تسيير عجلة الاقتصاد وتوجيه حركته. يوجز ناصرالدين نقاط الضعف التي تضمنها مشروع موازنة العام 2019 بالآتي:

1ـ عدم وجود قطع الحساب
قطع الحساب الذي هو عبارة عن جدول يضم بنود الموازنة مع الصرف الفعلي لكل بند مقارنة بما تمّ رصده في موازنة العام الفائت، مرفقاً بالفواتير والإيصالات. هذا الجدول يساعدنا على تقدير الأرقام بشكل صحيح وأكثر دقة ، خاصة مع إقفال السنة المالية، بحيث يتبين لنا أين تكمن نقاط الضعف في الايرادات ونقاط التضخم في النفقات. تقدير الأرقام في ظل غياب قطع حساب الأعوام الماضية لا يُعطينا الدقة المطلوبة فضلاً عن مخالفة هذا الأمر الأصول الدستورية.

2ـ على صعيد الايرادات
كل موازنة يتم  تضمينها إيرادات بناء على خطة اقتصادية وتوجهات انقاذية. ثمة نقاط ضعف تعتري الايرادات في الموازنة الحالية، والسبب يكمن في الموانع السياسية والحمايات الداخلية التي تمنع الدولة من استعادة قرارها وقدرتها على تحصيل نسبة إيرادات أعلى. على سبيل المثال، عدم السعي الجاد من قبل الدولة لتحسين ايراداتها عبر الأملاك البحرية التي تدر أموالاً طائلة على الخزينة، تماماً كما يحصل في ملف التهرب الضريبي والذي يقدّر بـ10 بالمئة من الناتج المحلي سواء في الجمارك أو غيرها. برأي ناصرالدين فإن الضريبة التصاعدية في هذا الصدد أكثر عدالة وتوزيعاً. بالنسبة اليه، فإنّ إضعاف الايرادات يدفع بالدولة الى طلب المساعدات المالية والاستدانة ما يجعلها رهينة المصارف التي تجني أرباحاً وفوائد طائلة، بينما المنطق يقول بضرورة أن تُطور الدولة موقعها عبر تحسين ايراداتها، ما يقلب الأدوار لتصبح الدولة في موقع من يفرض شروطه على المصارف.

3 ـ على صعيد فوائد الدين العام
يُشدد المتحدّث على أنّ درب الاصلاح يبدأ بتخفيض فوائد الدين العام والذي بلغت أرقامه 5.5 مليار دولار العام الماضي حسب أرقام الموازنة. المعادلة الاقتصادية تقول أنه كلما ارتفعت الفوائد سيزداد الانكماش وينخفض معدّل النمو الذي وللأسف لم يرق الى عتبة الواحد بالمئة، ما سيؤدي الى تراجع الاستثمار والانتاج وانتشار البطالة. أما خفض الفوائد سيؤدي حكماً الى عودة السيولة الى الأسواق، وعودة العمل بالقروض السكنية مع ما تحمله هذه النقطة من انعاش لعشرات القطاعات، فضلاً عن خلق فرص عمل ومكافحة البطالة، كما سيُقلّل حكماً من الضغط على المالية العامة للدولة.

على سبيل التبسيط، يوضح ناصرالدين أنّ خفض نقطة واحدة على فوائد الدين العام سيخفّض تلقائياً 800 مليون دولار، ما يؤدي الى انعاش الحركة الاقتصادية. يلفت الانتباه الى أنّ رفع الفوائد أدى الى جذب الايداعات لكنه لم يؤد الى تحريك عجلة الاستهلاك والانفاق. الاستثمار هو من يتولى هذه المهمة. يتوقف ناصرالدين عند نقطة مهمة، فيشير الى أن الشعب هو من يدفع فوائد الدين العام عبر الايرادات الضريبية، الأمر الذي أدى الى خفض القدرة الشرائية للمواطنين. يغتنم ناصرالدين الفرصة للتأكيد على ضرورة العودة عن القرار الخاطئ الذي صدر بزيادة الـtva من 10 الى 11 بالمئة مع ما حمله هذا الأمر من انعكاسات سلبية.

ينهي ناصرالدين حديثه في هذه الجزئية بالتشديد على ضرورة أن تساهم المصارف في الحل، عبر تكرار تجربة عام 2002 حين استدانت الحكومة بصفر فائدة لأربع سنوات. يؤكد أن كل الكيان المصرفي مرتبط بتسليفات الدولة، وفي حال رفضت المصارف الاكتتاب بسندات خزينة بفائدة منخفضة، فإن أمام الدولة ألف باب وباب بدءا برفع معدلات الضريبة على الفوائد كما يحكى من 7 الى 10 بالمئة، وليس انتهاء بالضريبة على الارباح الاستثنائية. تخفيض 4 نقاط من وجهة نظر المتحدث يشكل بداية الحل للأزمة الاقتصادية الداخلية وبداية الانقاذ.

4 ـ على صعيد النفقات والاصلاحات المطلوبة
يشدّد ناصرالدين على أنّ هناك فرقاً شاسعا بين الاصلاح الحقيقي والانقاذ. الأول لا يزال محكوما بمفاهيم "مغايرة" لما يجب أن يكون عليه. لا يزال مكبلاً بالشروط المفروضة علينا منذ عام 1992 حتى اليوم، أضيف عليها شروط مؤتمر سيدر حديثاً. وهنا يسأل: هل يتحقق الاصلاح الاقتصادي تحت عناوين البنك الدولي أو من خلال خيارات يحتاجها الاقتصاد اللبناني؟. يُوافق ناصر الدين وجهة النظر التي تقول بضرورة أن تطال الاصلاحات الرواتب المرتفعة، لكنه يشير في الوقت ذاته الى أنّ الطبقة السياسية هي من شرّعت هذه الرواتب الخيالية وأقرتها.
قبل أن يختم حديثه يشدد ناصرالدين على أن العقل المالي في لبنان يتبع سياسة مالية قائمة على قرارات غير مفيدة في الاقتصاد، ما أوصلنا الى ما نحن عليه اليوم. برأيه، فإنّ الانتقال من مرحلة الريع الى الانتاج يتطلب تغيير "فلسفة" الموازنة الحالية والتوجه الى موازنة تعالج القضايا الاقتصادية ضمن رؤية شاملة وخطة محكمة لا ضمن مجرد أرقام، وهذا ما نفتقده حالياً.

إقرأ المزيد في: خاص العهد