آراء وتحليلات

26/04/2019

الحرب الباردة الأمريكية ـ الروسية من الشرق الأوسط إلى فنزويلا

سركيس أبوزيد

تتوزع السياسة الخارجية الأميركية في ھذه المرحلة بين عنوانين ومنطقتين: الشرق الأوسط، وفنزويلا. في فنزويلا يدور صراع خفي بين الأميركيين والروس محوره نظام مادورو، وفي الشرق الأوسط يدور صراع مزمن إسرائيلي ـ فلسطيني، قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يجد له حلا مبتكرا لا يشبه الحلول المقترحة والمتداولة سابقا.

بالنسبة إلى الشرق الأوسط و"صفقة القرن"فلقد كان من المفترض أن تعلن إدارة ترامب عن "الخطة الأميركية للسلام في الشرق الأوسط" أو ما بات يُسمّى "صفقة القرن" أو "صفقة العصر"، بعد الانتخابات الإسرائيلية. ولكن مصادر سياسية في تل أبيب أفادت بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سينشر خطته لتسوية الصراع الإسرائيلي ـ العربي، فقط بعدما ينھي بنيامين نتنياھو تشكيل حكومته الجديدة، المتوقع نھاية شھر أيار/ مايو أو مطلع حزيران.

وتتناول الخطة قضايا سياسية أساسية مثل وضع القدس، وتھدف من جانب آخر إلى مساعدة الفلسطينيين على تعزيز اقتصادھم. ومن الجوانب التي تطوقھا السرية ما إذا كانت الخطة ستقترح إنشاء دولة فلسطينية بما يلبي مطلب الفلسطينيين الأساسي. ويشير مسؤولو الإدارة إلى أن الخطة ستكون تفصيلية، ويتحدثون عن وثيقة مكوّنة من خمسين صفحة حتى يتمكن الجميع من تصوّر كيف سيكون السلام في الواقع. بالاضافة إلى أنه يوجد فيها عنصر اقتصادي، وھو ليس موضوعا لمساعدة الفلسطينيين فحسب، بل لمساعدة الأردنيين واللبنانيين والمصريين أيضاً.

باختصار، كل ما يفعله الرئيس ترامب في المنطقة والعالم من لحظة وصوله الى البيت الأبيض إنما يھدف الى أمر أساسي ھو فتح الطريق أمام "صفقة القرن" وتوفير ظروف نجاحھا وتھيئة المسرح الدولي ـ الإقليمي لھا. ولكن البحث عن صفقة أو تسوية شاملة يجري في ظل ظروف ووقائع صعبة ومعقدة:

ـ انقسام فلسطيني ـ فلسطيني حاد، وسط انشغال حماس في غزة بكيان لن تُكتب له الحياة وھو محاصر بمصر المشغولة بالإخوان المسلمين وبـ"إسرائيل" الموجسة، وطاقم حكم في الضفة ضعيف وواھن.

ـ أكثر من نصف العالم العربي مشغول بمشكلات داخلية وحروب ونزاعات أدت إلى تراجع الھمّ الفلسطيني.

ـ إسرائيليا، اليسار ضعيف واليمين قوي، وھموم نصف المجتمع الإسرائيلي معيشية ولا يأبه بالشأن الفلسطيني.

ـ واقع أوروبي غير مسبوق في ميله إلى اليمين وسط خوف على الھوية من موجات اللاجئين وتوجس من الإرھاب ووھن اقتصادي.

ـ غياب التعقل والحكمة عن شاغل البيت الأبيض، يقابله رئيس روسي جامح في طموحه إلى إعادة بلاده إلى قلب السياسة الدولية.

ـ جامعة عربية ومجلس أمن لا حول لھما ولا قوة.

أوساط سياسية إسرائيلية ذكرت أن الإدارة الأميركية أجرت تحسينات على النص الأولي لخطة السلام في الشرق الأوسط، تتضمن تعديلات تتيح للعرب الموافقة على التفاوض بشأنھا. أما الفلسطينيون، فإنھم يعتبرون أن الإدارة الأميركية تحاول تذويب القضية الفلسطينية واختزالھا بفكرة مشاريع اقتصادية تحت عنوان "السلام الاقتصادي" قبل الحديث عن أي سلام سياسي. فبعد التصعيد الكبير ضد الفلسطينيين في ملف مدينة القدس واللاجئين و"الأونروا"، ربما تكون "صفقة القرن" ھي الختم الرسمي على تصفية حل الدولتين وحق العودة والقدس، خصوصا أن الرئيس الأميركي أثبت أنه أحادي النظرة ويميل لصالح" إسرائيل"، وھو لم ير ردة فعل عربية رسمية رافضة لھذه الصفقة.

ھناك اعتقاد بأنه على رغم تكرار الإدارة الأميركية القول إن خطتھا للسلام، أو ما يُعرف بـ"صفقة القرن" ستعلن قريبا، فإن الشكوك ما تزال تعتري إمكانية نشرھا، وذلك بسبب تضاؤل فرص نجاحھا إذا ما أطلقت في الوضع الحالي، فالموقف العربي والفلسطيني يرفض التعاطي معھا، لأنھا لا تلبّي أساسيات المطالب الفلسطينية، خاصة إقامة دولة فلسطينية وعاصمتھا القدس الشرقية. ومع غموض الموقف الأميركي من ھذه الأساسيات، فإن المجتمع الدولي وخاصة (أوروبا وروسيا) غير متحمس في ھذه المرحلة لدعم أي خطة أميركية بسبب توتر العلاقات الأميركية ـ الدولية، غير أن الرئيس ترامب "رجل المفاجآت والقرارات" كثيرا ما يتخذ قرارات لا تأخذ في الاعتبار نصائح وتحليلات أركان إدارته، ولھذا فمن الممكن أن تفاجئ الإدارة الأميركية الجميع وتنشر الخطة، رغم كل ھذه المحاذير.

أما في فنزويلا، فقد دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب روسيا إلى الخروج منها، بعد أن أرسلت موسكو إلى كراكاس طائرتين تنقلان عسكريين وعتادا، مؤكدا أن كل الخيارات مفتوحة أمام إدارته في التعامل مع الأزمة المتفاقمة في ھذا البلد. وقال ترامب إن "على روسيا أن تخرج" من فنزويلا.

في المقابل، صعّدت موسكو من لھجتھا حيال الوضع في فنزويلا ردا على قانون مواجھة النفوذ الروسي الذي أقرّه مجلس النواب الأميركي، وشدد مسؤولون روس على عزم الكرملين مواصلة التعاون العسكري مع كراكاس وتعزيز مجالات حماية المصالح الروسية في المنطقة.

ردود الفعل الأميركية الرسمية الغاضبة من إعلان روسيا إرسال طائرتي شحن عسكريتين الى فنزويلا، لا تدع مجالا للشك في المغزى السياسي والرمزي لھذه الخطوة. وعودة روسيا إلى أداء دور بارز في أكثر من منطقة من العالم، تجري بالتحالف مع لاعبين إقليميين ودوليين وازنين، تتقاطع أھدافھم مع أھدافھا.

ھذا ما حصل في سوريا، حيث شھدنا شراكة روسية مع أطراف محور المقاومة في مواجھة العدوان الذي تتعرض له. وھذا ما قد نشھده في فنزويلا، حيث تتقاطع المصالح الروسية والصينية في منع مسعى واشنطن لقلب نظامھا الوطني.

ففي فنزويلا، دخلت موسكو من الباب العريض إلى ما لم تتوقف واشنطن يوما، في ظل إداراتھا المتعاقبة، عن اعتباره حديقتھا الخلفية. ومما زاد من حنق الولايات المتحدة حيالھا، شروعھا في بناء شراكات اقتصادية وسياسية مع منافسيھا الدوليين الصاعدين، وفي مقدمتھم الصين وروسيا، وھو ما تنظر إليه على أنه تحدٍ استراتيجي في إحدى أكثر مناطق نفوذھا أھمية.  في جميع الأحوال، إن إمكانية تزايد الوجود الروسي على ضفاف الكاريبي تعيد صياغة المشھد في فنزويلا.

أما في تركيا، فهي أيضا تشكل ساحة من ساحات المواجھة الأميركية ـ الروسية المتجددة. وتحتدم الحرب الباردة بشكلھا الجديد بين واشنطن وموسكو على الاستئثار بالنفوذ في ھذين البلدين. فقد بدأت الولايات المتحدة خطوات تصعيدية للرد على إعلان تركيا تمسكھا بمنظومة الدفاع الصاروخي الروسية "إس 400" وأعلنت تعليق تسليمھا جميع شحنات المعدات المتعلقة بمقاتلات "إف 35" الأميركية، لحملھا على التخلي عن المنظومة الروسية المضادة للصواريخ، في ظل تصميم أنقرة على شراء صواريخ "إس 400" من روسيا.

من الواضح أن روسيا تسعى الى اختراق حلف شمال الأطلسي بصفقة صواريخ "إس 400" لتركيا، بينما تحاول الولايات المتحدة إطاحة النظام الفنزويلي برئاسة نيكولاس مادورو الذي تدعمه روسيا. لكن من الواضح أيضاً أن رسائل موسكو، مدعومة من بكين، تسعى مبكرا في ترسيخ معادلة تجعل من المساس بفنزويلا أمرا أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، بما يحمل واشنطن على أن تحسب خطواتھا بحذر أكبر.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات