خاص العهد

18/04/2019

هكذا نمَت كتلة الدين العام في لبنان

فاطمة سلامة

يكاد لا يخلو مقال يتناول الأوضاع الاقتصادية من الإشارة الى الدين العام في لبنان. الأخير يتصدّر أي حديث يطال الشأن المعيشي، خصوصاً في هذه الأيام. ولعلّ أكثر ما يستحق الوقوف عنده في ملف الدين العام هو الخدمة التي تدفعها مالية الدولة لقاء عملية الاستدانة، والتي أدّت الى تنامي كتلة الدين بنسب مضاعفة. يجري الحديث في هذا الصدد عن أرقام صادمة تصل حد الثلاثة مليارات دولار يدفعها لبنان سنوياً كفوائد على هذا الدين. 

وفي ظل تضارب الأرقام والاحصاءات حول الأثمان الباهظة التي يدفعها لبنان سنوياً، يُشدّد الخبير الاقتصادي د. غازي وزني على أن بعض الحسابات التي قاربت مسألة الدين العام قاربتها بعقلية حسابات "المحلات" التجارية، وهذه الطريقة خاطئة عندما نتحدّث عن دين عام على مستوى دولة وعلى مدى سنوات تتأرجح فيها الفائدة وتختلف. فخدمة الدين هي نتيجة حتمية لزيادة طلب الدولة على الاقتراض وحاجة الدولة للاستدانة. يروي وزني قصّة الدين العام في لبنان والتي بدأت في نهاية عام 1992 عندما قرّر لبنان إعادة إعمار البلد عقب الحرب، ليبدأ طريق الاستدانة بمليارين و576 مليون دولار، موزعة بنسبة مليارين و770 مليون دين بالليرة اللبنانية، و327,5 مليون دولار بالعملات الأجنبية، فيما بلغت خدمة الدين آنذاك 518 مليار ليرة. اليوم، ارتفع الدين نهاية 2018 ليصل الى 85,1 مليار دولار، وخدمة الدين بلغت 8596 مليار ليرة. فما هي أسباب نمو هذا الدين؟

يستعرض وزني أسباب نمو الدين العام، فيوجزها بالآتي:

1-الدين العام الأساسي: أصل الدين العام البالغ مليارين و576 مليون دولار كلّفنا فوائد على مدى 27 عاماً ليتفاقم ويُصبح نهاية عام 2018 (18 مليار دولار) بالحد الأدنى إذا ما أضفنا اليه الفوائد.

2-الانفاق على الإعمار والإنماء :بلغت النفقات الاستثمارية في أوج مرحلة الاعمار 9,6 مليار دولار من عام 1993 حتى عام 2004، وإذا ما أضفنا الفوائد عليها يُصبح المبلغ حوالى 20 مليار دولار.

3- تكلفة المحافظة على الاستقرار النقدي: بلغت هذه التكلفة 16 مليار دولار نهاية عام 2018 نتيجة المخاطر التي ازدادت تبعاً للظروف السياسية التي عاشها لبنان والتي رفعت الفائدة الى حوالى 8 بالمئة، في الوقت الذي تبلغ فيه الفائدة في دول الجوار 5.5 بالمئة، ما يعني أنّ كلفة الاستقرار النقدي لامست حدود 2.5 بالمئة، وهي كلفة عالية جداً، إذ وجدت الدولة نفسها مضطرة -أمام الظروف السياسية والمخاطر التي بثّت القلق في أوساط المستثمرين- الى رفع الفائدة للاستقطاب، رغم أن نسبة الفائدة بقيت مستقرة من عام 2010 حتى تشرين الثاني 2017 (على الليرة 6.4 بالمئة)، و(على الدولار 6.34 بالمئة)، لتبدأ بالتصاعد بعد هذا التاريخ بسبب الفراغ الحكومي وغيره من الأزمات، ما أدى الى ارتفاع الفائدة على الدولار فوق 8 بالمئة، وعلى الليرة 11 بالمئة. 

4-الهدر في الإنفاق الاستثماري خصوصاً في فترة تنفيذ برنامج الاعمار والانماء، إذ تجاوز حجم الهدر 3.5 مليار دولار

5-تخمة القطاع العام التي سجّلت عام 2004 فائضاً بحدود الخمسة آلاف موظف نتيجة سوء إدارة الدولة 

6-عدم اصلاح الدولة للنظام الضريبي ومكافحة التهرب

يشير وزني الى أننا لم نكن لنصل الى هذا المستوى من المديونية لو بادرت الدولة الى القيام بإصلاحات لوقف الهدر والتهرب الضريبي وتحسين الجبايات وإصلاح الادارات العامة وتقليص النفقات في الموازنات العامة، ما يُوفّر على الخزينة 40 مليار دولار. 

ويوضح وزني كيف يساهم العجز في زيادة الدين العام، فبكل بساطة يؤدي عجز الرصيد الأولي الى الاستدانة لتغطية المصاريف، تماماً كما حصل في موازنة عام 2018 عندما بلغ العجز 1100 مليار ليرة، ما اضطر الدولة الى الاستدانة لتغطية النفقات، ما زاد تلقائياً  خدمة الدين العام التي هي نتيجة حتمية لزيادة الدين. 

في ختام حديثه، يُشدّد وزني على أنّ الأزمة المالية التي تعيشها الدولة اليوم لا تحل بالطروحات التي يُطلقها البعض لناحية اقتطاع الرواتب. هناك ثمن يجب أن تساهم به المصارف، تماماً كما حصل عام 2002، واليوم باستطاعة المصارف أن تكتتب في سندات خزينة بفائدة صفر بالمئة وعلى مدى ثلاث سنوات، ما يُسهم في خفض العجز والمحافظة على الاستقرار. 

مصادر المصارف 

ما يطرحه وزني لجهة تحمل المصارف بعض الأثمان، لا يلقى تجاوباً لدى أصحاب المصارف التي ترفض المساهمة قبل الحصول على ضمانات، على حد تعبير مصادرها لموقع العهد. برأيها، هناك بعض الواجبات التي على الدولة تأديتها قبل الطلب منها تحمل نتيجة السياسات التي أوصلت البلد الى ما هو عليه. وفق قناعاتها، لا يمكن الحديث عن تجربة عام 2019 كما لو أنها مماثلة لعام 2002.

حينذاك اكتتبت المصارف بسندات خزينة بكامل إرادتها وباقتناع تام بضرورة المساهمة مع الدولة لتخطي الأزمة، إذ وعدهم رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري بعد هذه "الوقفة" بجني الأرباح والتعويض في السنوات اللاحقة، ولمسوا من الدولة الجدية، إذ قامت برزمة إصلاحات مطلوبة عقب المؤتمرات الباريسية. وبالفعل جنت بعد ذلك المصارف أرباحاً. أما اليوم بحسب المصادر فالوضع يختلف إذ باتت الثقة بالدولة معدومة في بلد يُغني كل منه على ليلاه، خصوصاً أن الدولة لم تبادر الى القيام بإصلاحات لمكافحة الهدر والسرقة والتهرب الضريب والجمركي وغيره. تختم المصادر حديثها بالإشارة الى أنّ مساهمتها بالحل ضرورية وواجبة ولا تهرب منها ولكن شرط قيام الدولة بإصلاحات كما يجب ومن بعدها "نحن جاهزون، إذ لا تعنينا الوعود بقدر ما تعنينا الوقائع والأرقام". 

صحيح أنّ ما تحدّثت عنه المصادر لجهة الاصلاحات الواجبة على الدولة منطقي وأكثر من ضروري، إلا أنّ كلامها عن مقايضة المساهمة بإصلاحات في هذه اللحظة "الحرجة" التي يمر بها لبنان لا يمكن وضعه سوى في سياق من يتهرّب من تحمل المسؤولية ويطلب "المعجزات"، لا سيما أن المصارف جنت أرباحاً خيالية من خدمة الدين العام على مدى سنوات خصوصاً أنّ الوقت بدأ يضيق وإذا وقع لبنان فسيقع على الجميع.
 

إقرأ المزيد في: خاص العهد