خاص العهد

16/04/2019

النظام الضريبي.. من جيوب الفقراء الى ثروة الأغنياء

فاطمة سلامة

قيل الكثير عن النظام الضريبي في لبنان. وُصف بنظام اللاعدالة القائم على نقل الثروة من الفقراء الى الأغنياء. البعض استبدل مُصطلح "النظام الضريبي" بـ"العنف الضريبي"، انطلاقاً من الإجراءات اللامنطقية التي ترسو عليها السياسة الضريبية في لبنان. ورغم أنّ المطالبات بإصلاح النظام الضريبي "المجنون"  ـ على حد وصف أحدهم ـ تُطالعنا كلما تذهب السكرة وتأتي الفكرة، وكلما جرى الحديث عن أيام "صعبة" يعيشها الاقتصاد اللبناني، إلا أنّ تلك الإصلاحات لم يُقدّر لها الإقرار، لا لنقص في الرؤى، فلدينا الكثير من الطروحات والنظريات والكتب التي ترسم خارطة طريق تُحوّل بموجبها "الضريبة" من كفّة الرأسماليين الى كفّة الاقتصاد ككل. لم يُقدّر لها الإقرار، لتبقى السياسة الضريبية "عوجاء" على غرار الكثير من السياسات التي تراعي طبقة الرأسماليين على حساب الطبقة الكادحة، وذلك لأسباب معروفة جداً، فغالباً ما يكون الخصم هو الحكم في آن واحد. وعلى سبيل التبسيط، فإنّ السياسي المنوط به السعي لتعديل النظام الضريبي، هو نفسه رجل الأعمال الذي يتهرّب ضريبياً ولا تصب في مصلحته أي ضريبة تُفرض على الثروات.

وفي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن قرارات "موجعة" تطال الطبقة العاملة لتخفيض العجز، تجري الاشارة الى ضرورة إصلاح النظام الضريبي "المهترئ" ما يُعزّز إيرادات الدولة ويكافح العجز الذي يضرب مالية الخزينة. وفي هذا الصدد، يُطالب وزير المال السابق جورج قرم بضرورة إقرار نظام ضريبي موحد، بعيداً عن المس بتلك الطبقة العاملة وبرواتبها وتقديماتها. وهو يروي كيف عمل عندما كان وزيراً للمال على إصلاح النظام الضريبي "المجنون" إلا أنّ الأرضية آنذاك لم تُجهّز لتعديله، فالنظام الضريبي في لبنان أقيم في الأصل ليُعفي فئات واسعة من الضرائب. هذا النظام يولي أهمية كبيرة للضريبة على الاستهلاك والتي تطال عامة الشعب، على حساب ضريبة الدخل التي تطال أصحاب الثروات، والتي لم تولّد إيرادات مهمة للدولة، تبعاً لمنطق هذا النظام "البائد" القائم على اللاعدالة. يلفت قرم الى أنّ هناك العديد من الفئات "الغنية" المستثناة من الضرائب. على سبيل المثال، إعفاء صاحب اليخت من الضرائب والرسوم الجمركية في حال امتلاكه لجنسية أجنبية أو إقامة غير لبنانية، أو عدم فرض ضريبة دخل على أرباح "البورصة".

 


صالح

المدير السابق  للمحاسبة العامة في وزارة المالية أمين صالح يستهل حديثه بالإشارة الى أنّ الضريبة قديمة العهد وتعود لحكم القبائل عندما كانت تفرض لتمويل ما يُسمى بحكم "التاج" أو "السلطان"، وقد جرى تأطيرها في قانون لأول مرة على يد البريطانيين، لتعمم على كل العالم، وتنتشر على اعتبار أنها فريضة جبرية نهائية تفرض بدون مقابل لتأمين الحاجات العامة تبعاً لقدرة المكلّف على الدفع. وأدخل هذا السلوك ضمن الدستور اللبناني، إذ خضع النظام الضريبي للعديد من التعديلات، أهمها كان عام 2001 إذ حدث تعديل جدي ونوعي حين فُرضت الضريبة على القيمة المضافة، إلا أنّ هذا التحول في النظام الضريبي لم ينقله الى كفّة العدالة، وفق صالح، الذي يشير الى أنّه لا يزال قديماً ومهترئاً بحيث يجري "التحايل" عليه والتهرب من تطبيقه عبر التهرب الضريبي من قبل المكلّفين الذين لا يؤدون الضرائب المطلوبة منهم كما يجب بموازاة سياسة "غض الطرف" من قبل بعض المراقبين في الادارة الضريبية الذين يتحملون مسؤولية التلاعب بالضرائب والتغاضي عن سياسة الدفترين، وبالتالي تضييع المليارات على لبنان.

 

 

يُشدّد صالح على أنّ الضريبة العامة على الاستهلاك يجب أن تقابلها اصلاحات تفرض ضريبة تصاعدية على الدخل تطال المداخيل المرتفعة والشطور العالية، وهذا ما لم يحصل في لبنان حيث تستشري سياسة التهرب الضريبي، وحيث تطال الضرائب الفئات الفقيرة والمتوسطة قبل الغنية ما يُحدث فوارق اجتماعية واسعة. وفق حسابات صالح، فإنّ التهرب الضريبي الحالي يوازي ثلاثة أضعاف الضريبة المصرّح عنها، فهناك على الأقل 3 مليارات دولار ضائعة سنوياً سواء في الدفاتر "الوهمية" أو عبر الحدود أو في التهرب من الضريبة على الثروات، ولو قُمع هذا التهرب لكنا اليوم في أدنى مستويات العجز.

يرسم صالح خارطة طريق "بسيطة" جداً ولا تحتاج الى ابتداع المعجزات نستطيع من خلالها إنقاذ الاقتصاد اللبناني، عبر البدء بلجم الهدر والانفاق غير المجدي، محاربة الفساد، تطهير الادارة الضريبية من العناصر الفاسدة، تعديل النظام الضريبي، جباية الضرائب المحصّلة وغير المحصّلة ومنع التهرب الجمركي. كل هذه العوامل برأي صالح كفيلة بضح مليارات الدولارات الى خزينة الدولة سنوياً.   

بالأرقام

الخبير الاقتصادي كمال حمدان ينطلق في حديثه عن النظام الضريبي في لبنان بالإشارة الى أنّ لبنان صُنّف من بين الدول متوسطة الدخل وفقاً لتعريف الأمم المتحدة، إلا أنّ الاقتطاع الضريبي في تلك الدول المعروفة بدخلها المتوسّط أعلى من لبنان. انطلاقاً من هذه المعادلة يُقدّر الخبراء حجم التهرب الضريبي والذي يُقدّر بما بين مليارين وخمسة مليارات دولار سنوياً.

يوضح حمدان أنّ النظام الضريبي في لبنان يقوم على جباية الضرائب والرسوم غير المباشرة أي على الاستهلاك، الأمر الذي يؤدي الى تراكم الثروات لدى الأغنياء، فبحسب دراسات أجريت العام الماضي، احتلّ لبنان المرتبة الثالثة من جهة تركز الدخل والثروة، وبحسب الاحصاءات، فإنّ واحداً بالمئة من البالغين يُمسك بربع الدخل أي 40 بالمئة من الثروة.

وهنا يُشدّد حمدان على ضرورة تصحيح الواقع عبر فرض ضريبة تصاعدية على الدخل، وضريبة تصاعدية على الفوائد والودائع المصرفية، فضلاً عن ضرورة توسيع قاعدة الجباية وفرض ضرائب استثنائية على أرباح كبار المكلفين، وإعادة دراسة الاعفاءات الضريبية، حتى تلك المعطاة للأوقاف الدينية.

يُبيّن حمدان بالأرقام اللاعدالة التي يسير عليها النظام الحالي، فنحو 70 و80 بالمئة من الضرائب التي تُجبى هي ضرائب على الاستهلاك، بينما المنطق يفرض أن يُشكّل هذا النوع من الضرائب والرسوم حوالى 40 بالمئة، والعمل على تحصيل الـ60 بالمئة عبر الأساليب التي ذكرناها سابقاً، لإحداث نوع من العدالة الاجتماعية بعيداً عن تحميل الشعب أثمان السياسات الحالية.

إقرأ المزيد في: خاص العهد