آراء وتحليلات

أفريقيا و"داعش": قوات "تحالف الساحل" تحت اختبارات الارهاب

388 قراءة | 09:24

محمد محمود مرتضى
مع بزوغ فجر يوم الإثنين في الرابع من شهر شباط/ فبراير الجاري، أعلن جيش بوركينا فاسو في بيان رسمي عن مقتل حوالي أربعة عشر مواطنًا في هجوم إرهابي استهدف منطقة "كين" في مقاطعة "ياتينتا" بقرب الحدود مع مالي، ورغم أن أحداً لم تعلن مسؤوليتهاعن الهجوم، الا أن الجيش نفذ ما يشبه الثأر للضحايا، حيث قام بتصفية 146 مسلحًا في غارات عسكرية على مواقع يشتبه بتواجد الإرهابيين فيها.

في خلفية معلوماتية فانه تنتشر في منطقة غرب أفريقيا مجمعات مختلفة من التيارات التكفيرية الإرهابية، ففي نيجيريا تتواجد جماعة "بوكو حرام"، بينما يتوسع تنظيم "القاعدة" تحت فرعه المسمى بـ"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" في مالي. اضافة الى ذلك، تحتضن غرب أفريقيا جماعة "التوحيد والجهاد"، التي تنتشر في مالي منذ عام 2011، كما تتواجد في مالي أيضًا "حركة أنصار الدين".

ورغم تواجد تلك الحركات منذ عدة سنوات في المنطقة، فان الساحة الافريقية تشهد حاليا تطوراً كبيراً في نوعية هجماتها وأسلحتها وعتادها العسكري، ما يجعل هجماتها أكثر فتكاً ويخلف عددا أكبر من الضحايا، وهذا ما دفع  إدارة السلام والأمن التابعة لمفوضية الاتحاد الإفريقي «AUC» في أواخر شهر كانون الاول من العام الجاري لاصدار بيان حول مقتل ما يقرب من 614 شخصًا في القارة منذ بداية عام 2019. ورغم أن هذا العدد يعد كبيراً نسبيا،  فإن المفوضية توقعت تزايده خلال الأشهر القادمة، مرجعة الاسباب الى عوامل عديدة أهمها هشاشة الأنظمة الأمنية في المنطقة وحصول التيارات الإرهابية على تعزيزات عالية الجودة من قوى كبرى وعصابات دولية.

إن القيام بمقارنة البيانات الخاصة بمؤشر الإرهاب الدولي الذي يصدره معهد الاقتصاد والسلام سنويًا، يشير الى احتمالات ارتفاع وتيرة العنف والارهاب، اذ بحسب هذا المؤشر فانه ومنذ عام 2015 تبوأت نيجيريا المرتبة الثالثة على قائمة الدول الأكثر تضررًا من الهجمات الارهابية، وقد حافظت هذه الدولة الغرب أفريقية، وعلى مدار السنوات المتعاقبة، على موقعها ضمن الدول الخمس الأكثر انهيارًا أمام الأشكال الاستعمارية الجديدة.

في حين أن مالي وبوركينا فاسو منيتا بـأحد واربعين هجمة إرهابية خلال الخمس سنوات الماضية، فيما علت مرتبة كينيا في كل عام.

ومع ذلك فان السؤال الابرز الذي يبقى مطروحا يرتبط  في احتمال زيادة العنف، أو حتى في تمركزه بالأساس في غرب أفريقيا. وفي الأسباب والعوامل التي جعلت من تلك المنطقة بؤرة للنزاع.

تتعدد الاسباب في هذا الامر، الا ان ابرز العوامل هو العامل المالي ـ الاقتصادي؛ حيث أن الأموال والموارد المدفونة والهبات الطبيعية تعتبر مرادفات محكمة لعوامل الصراع الذي يدور رحاه حاليًا. فالمنطقة الغربية تعوم على آبار من النفط والبترول.

فنيجيريا، على سبيل المثال،  والتي تحتل المرتبة الأولى بين تلك الدول في عدد الهجمات الإرهابية، تعتبر الأولى في الثروة النفطية افريقياً، وطبقًا لدراسة قدمها "المجلس السويدي للاستثمار والتجارة" حول النفط والغاز في غرب أفريقيا، تم تصنيف نيجيريا كأولى في المنطقة، حيث لفتت الدراسة إلى أن القوة الإنتاجية لنيجيريا في عام 2016 وصلت إلى ما يزيد على مليونين ونصف مليون برميل من النفط يوميًا.

الا أن المهم في هذا المتغير هو قرب القطاع الغربي وإطلالته على المحيط الأطلسي، ما يسهل التجارة وحركة الصادرات والوارادات. ومن المتوقع أن تسيطر الجماعات الإرهابية على إحداثيات تلك المواقع؛ تمهيدًا لإفساح المجال لبعض الشركات المتعددة الجنسيات التي تستثمر في الدول المنهارة تحت رعاية المجموعات المتطرفة.

هذا وقد رجحت الكثير من الدراسات، أن تكون منطقة غرب أفريقيا، مركزا جاذبا لعناصر داعش والقاعدة الفارين من الهزائم في سوريا والعراق. ففي كانون الاول/ ديسمبر من العام الماضي ( 2018) صرح مساعد سكرتير مجلس الأمن الروسي، ألكسندر فينيديكتوف بأن الأجهزة قد رصدت انتقال العناصر الداعشية من مناطق الصراع في الشرق الأوسط إلى الساحل الأفريقي. كما رصدت هيئة الرقابة على الأموال "FATF" عدد من العوامل الأخرى التي أدت لانتشار الإرهاب في المنطقة، من خلال دراسة أجرتها عن التطرف هناك،  حيث تمحورت تلك العوامل حول ضعف الأجهزة الأمنية والرقابية، الامر الذي أدى إلى تنامي ظاهرة الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني التي تعمل بالأساس لتلقي الأموال المشبوهة في دعم العصابات المسلحة. كما أدى الضعف الأمني لزيادة نسبة تجارة المخدرات من خلال عصابات المافيا القارة السمراء والتي تتعاون بدورها مع الإرهاب في كسب الأموال وتهريب العناصر البشرية.

ومهما يكن من أمر، ونتيجة انتشار المخاطر الإرهابية في المنطقة تم تأسيس قوات تحالف الساحل المعروفة باسم «G5» وتضم كل من: بوركينا فاسو، ومالي، وموريتانيا، وتشاد، والنيجر في عام 2014 من أجل مواجهة التحديات الأمنية في المنطقة.

صحيح أنه يصعب التنبؤ بفاعلية الجهود المكرِّسة من مجموعة G5، الا أن إنشاءها يعكس الاعتراف بضرورة إيجاد إطار أمني إقليمي في الساحل قادر على مواجهة التهديدات الأمنية عابرة الحدود الناجمة عن المجموعات الارهابية، وإيجاد مبادرات فعالة تخصُّ الجانب الاقتصادي  والإداري في المناطق الحدودية المهمَّشة منذ فترة طويلة، والتي قد تمثل بيئة ملائمة لانتشار هذه الجماعات، وما لم تعالج هذه الثغرة الاقتصادية الاجتماعية، فان المعالجات الامنية قد تكون حلاً لكنه لن يكون وعميقاً وفاعلا على المدى الطويل.