آراء وتحليلات

أطفال داعش والتحديات المستقبلية

667 قراءة | 16:27

محمد محمود مرتضى

من ضمن استراتيجيته لتجنيد عناصر جدد وتأهيلها، عمد داعش الى استغلال الأطفال ضمن صفوفه. لم يكن الهدف ينحصر بمحاولة تعويض نقص المقاتلين فقط، بل أيضًا ايجاد بيئة عميقة تؤسس لتأييد واسع، ومَن افضل من الأطفال ليؤدي هذه المهمة؟ الا أن الهزيمة النكراء التي تعرض لها التنظيم في العراق وما اعقبها من هروب عناصره، أدى الى ترك هؤلاء الأطفال خلفهم بعد ان تشبعوا بأفكار التنظيم المتطرفة.
 
لقد هربت عناصر داعش من العراق، لكنها تركت خلفها معاناة وتحديات كبيرة أمام السلطات العراقية، وتتمثل في كيفية اعادة ادماج هؤلاء الاطفال وانتزاع الافكار المتطرفة من عقولهم ، خاصة أن عددهم ليس قليلا؛ إذ كشفت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، في اذار/مارس الماضي، أن "عدد أطفال داعش الأجانب في مراكز إيواء وزارة الشؤون الاجتماعية، بلغ 1127 طفلًا، 514 منهم سنهم دون ثلاث سنوات، و460 طفلًا تتراوح أعمارهم بين ثلاث وتسع سنوات".
 
من جهتها أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية العراقية، أنها تجد صعوبة في التعامل مع هؤلاء الأطفال الذين اعتبرتهم "ضحايا لتنظيم داعش"، وأكدت أنها تعمل حثيثاً على محاولة اجتثاث الفكر المتطرف من أذهانهم وهم من جنسيات "تركية وأذربيجانية وروسية وطاجكستانية وقيرغستانية وأوزبكية ومغربية وأوكرانية وإيرانية وجزائرية وألمانية وفرنسية، ومن دول أمريكا الجنوبية أيضًا".
 
لقد واجه العراق خلال العام الماضي (2018) معضلة رفض العديد من الدول تسلم هؤلاء الأطفال بدعوى أنهم ولدوا على الأراضي العراقية، إضافة إلى الذعر الذي كان يتملك حكومات العديد من بلدان العالم من أن يتحول هؤلاء الصغار لقنابل موقوتة تهدد أمنهم مستقبلًا.
 
تجنيد الاطفال كان موضوعا لدراسة أعدها مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية؛ حيث ذكرت في توصياتها عددًا من المقترحات تهدف لحماية الأطفال من التطرف وابعادهم عن "مخالب" الاستقطاب الداعشي، ومن بين هذه المقترحات توفير أماكن آمنة للأطفال النازحين، وتأمين طرق آمنة لهم، ومراقبة تنقُّلِهم بشكل آمن لمنع حصول داعش على فرصة لتجنيدهم.
 
من ناحية عملية فقد استطاع العراق من خلال بعض برامجه في تأهيل هؤلاء الأطفال وتصحيح الأفكار المغلوطة التي زرعها الدواعش في رؤوسهم تسجيل نجاحات مهمة، وهذا ما دفع وزارة الخارجية العراقية لدعوة مختلف الحكومات إلى تسلم أطفال تحتجزهم ممن كان آباؤهم يحاربون في صفوف التنظيم، والذين انتهت مدة محكوميتهم أو غير مدانين بجرم، وقد وافقت بعض الحكومات على تسلم صغار السن ممن يحمل والداهم جنسية بلادهم.
 
في هذا السياق، تسلمت روسيا ـ مؤخرًا ـ  ثلاثين طفلًا من أبناء نساء روسيات انضممن إلى صفوف التنظيم. فيما أكدت وكالة "فرانس برس"، أن مسؤولًا في وزارة الخارجية الروسية (طلب عدم كشف هويته)، قال: "إن السلطات الروسية باشرت إجلاء ثلاثين طفلًا من أصل روسي من العراق بعدما تم الانتهاء من استصدار الوثائق المطلوبة لهم، واستكمال الإجراءات اللازمة"، بيد أن مصدرًا دبلوماسيًّا آخر في الخارجية الروسية بموسكو قال للوكالة ذاتها في وقت سابق، إن روسيا تعمل على التثبت من هويات الأطفال وتعمل في خطوة أولى لإعادتهم إلى البلاد؛ إذ إن هناك نحو سبعين امرأة روسية تحاكم، وأكثر من مائة طفل.
 
وكانت مصر من بين الدول التي وافقت على تسلم أطفال ينحدرون من مسلحين كانوا يقاتلون مع تنظيم داعش، ممن قُتل آباؤهم في ليبيا، وذلك في بادرة تعدّ الثانية من نوعها، بعد تسلّم السودان ثمانية أطفال آخرين العام 2017، ينتمي آباؤهم وأمهاتهم إلى داعش في ليبيا، ووصل الأطفال الثمانية الذين تتراوح أعمارهم بين سنة وتسع سنوات على متن طائرة قادمة من العاصمة طرابلس إلى مطار الخرطوم، في شباط وحزيران من العام 2017، فيما لا تزال أمهاتهم معتقلات لدى السلطات الليبية، وآباؤهم مفقودين.
 
وما أن اعلنت مصر عن تسلم اثني عشر طفلًا، حتى دعت "جمعية إنقاذ التونسيين العالقين بالخارج" جميع العائلات، التي لديها أطفال ونساء وشباب في ليبيا، للتواصل معها؛ إذ تُقدر أعداد القُصر منهم قرابة تسعة وثلاثين طفلًا، بعضهم محتجز في مصراتة، والبعض الآخر في مؤسسة "الإصلاح والتأهيل".
 
لكن الملفت أنه في الوقت الذي أعلنت فيه غالبية الدول استعدادها لاستقبال الأطفال الذين تمت إعادة تأهيلهم، صرَّحت وزيرة الهجرة البلجيكية «ماجي دي بلوك»، الأحد 30 كانون الأول/ ديسمبر 2018، بأن الحكومة ستطعن في قرار قاضٍ أمر الحكومة بإعادة ستة أطفال لأعضاء بتنظيم داعش الإرهابي مع أميهما، المحتجزتين في مخيم بمنطقة يسيطر عليها الأكراد في سوريا، إلى بلجيكا.
 
وكان قاضٍ بلجيكي قضى بأن  بلجيكا ملزمة بإعادة "تاتيانا فيلاندت" (ستة وعشرون عامًا)، و"بشرى أبو علال" (خمسة وعشرون عامًا)، وأطفالهما الى متشددين في التنظيم، ويجري احتجاز الاثنتين حاليًا في مخيم الهول الواقع بمنطقة خاضعة للأكراد في سوريا.
 
وتُحاول الدول الأوروبية الخروج من مأزق إعادة مواطنيها الذين سافروا إلى سوريا والعراق، وقال مسؤولون فرنسيون في وقت سابق إن فرنسا تعمل على إعادة الأطفال الذين تحتجزهم القوات الكردية السورية، لكنها ستترك أمهاتهم ليُحاكمن من قِبَل السلطات المحلية.
 
تمثل قضية الاطفال مشكلة من ضمن المشاكل التي تخلفها الحروب، ولئن كان الاطفال يمثلون عنصرا ضاغطا انسانيا لناحية تعرض الطفولة والاطفال لعمليات ابادة او قتل، فإن اطفال داعش يمثلون مشكلة مزدوجة ومتعارضة؛ الاولى في كونهم اطفالاً خضعوا لنوع من غسيل الدماغ ومن حقهم العيش الكريم والحصول على ثقافة وتعليم، ومن جهة اخرى الخوف من عدم النجاح الكلي لإعادة التأهيل، وبالتالي احتضان عناصر قد تشكل مستقبلا قنابل موقوتة او ذئاباً منفردة لا احد يتمنى استقبالها وتربيتها.