آراء وتحليلات

الانسحاب الأميركي من سوريا.. سيناريوهات محتملة

731 قراءة | 18:13

محمد محمود مرتضى

أدى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب قواته من سوريا إلى طرح العديد من الأسئلة ويرافقها طرح عدد من السيناريوهات المستقبلية المحتملة حول ما ستؤول إليه الازمة السورية، لا سيما فيما يتعلق بالملف الكردي بشكل عام وملف شرق الفرات بشكل خاص، خاصة وأن الكرد قد علقوا كثيراً من الآمال على علاقتهم مع واشنطن وإن لم يقطوا "شعرة معاوية" مع الحكومة السورية.

جاء القرار الاميركي في وقت تحاول فيه واشنطن وأنقرة التغلب على موجة طويلة من التوترات، ومن جهة أخرى أدت الانتصارات التي تحققت من قبل الجيش السوري على الجماعات المسلحة إلى تغير أنماط المعادلة الميدانية حول كيفية إدارة أطراف الصراع للازمة السورية؛ بحيث بات على واشنطن أن تتخذ نهجا جديدا في التعامل مع هذه الازمة.

إن عملية تقييم لمدى تأثير هذا القرار على الموقف الكردي من المعادلة السورية سوف تضعنا أمام احد السيناريوهات المحتملة والتي يمكن وضعها في الاطار التالي:

1- الصدام: بحسب بعض التقارير الأميركية فإن واشنطن تسعى لإيصال الأمور في شرق الفرات الى صدام دموي بين ثلاثة أطراف: سوريا، والكرد، وتركيا. اذ تعتبر واشنطن وفق هذه السيناريو أن الحكومة السورية ستحاول جاهدة منع سيطرة تركيا على الشمال والشرق السوري، وهي سيطرة، ان تمت، لن تنتهي بسهولة. كما أن السماح لتركيا بالدخول الى شرق الفرات قد يعقد العلاقة بين الحكومة السورية وروسيا التي تسعى للحفاظ على علاقة وطيدة مع تركيا. يبقى ان منع هذا السيناريو مرهون بشكل كبير بالجانب الكردي والذي يستطيع تلافي تكرار خطيئة عفرين عبر التنسيق المباشر مع الجيش السوري والسماح له بالدخول الى شرق الفرات وفق اتفاق واضح يعيد سيطرة الشرعية السورية على هذه المنطقة.

أصحاب هذا السيناريو يفترضون أن الصدام إن وقع سيكون طويلاً ومكلفاً ويؤدي الى استنزاف جميع الأطراف ما قد يؤدي الى عودة أميركية لكن بشروط أفضل، لا سيما فيما يخص سلامة جنودهم، والتفاوض على الوجود الايراني، فضلاً عن أن واشنطن تسعى لجعل قواعدها في سوريا تتمتع بالشرعية.

ومهما يكن من أمر، فإن الانسحاب الأميركي لن يكون بكل الأحوال ابتعاداً كلياً عن الساحة السورية بقدر ما سيكون انتقالا من التدخل المباشر الى التدخل غير المباشر.

2- اتفاقيات متعددة: قد يكون ضغط خطر الصدام سبباً رئيساً يدفع الاتراك للتفاوض مع سوريا وروسيا وايران لإجراء اتفاقيات متعددة الاطراف وإيجاد صيغة توافقية، خاصة أن تركيا تعلم ان روسيا فتحت قنوات للتواصل مع الاكراد. يبقى أن الوصول الى هذا النوع من الاتفاقات لن يكون محصوراً ببعده المحلي (المتعلق بالملف الكردي) بقدر ما سيكون خاضعا لحسابات اقليمية ودولية يتداخل فيها السياسي مع الاقتصادي. لكن في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة على كل من روسيا وايران، فإن هذه العقوبات ستعطي هامشاً أكبر في المناورة للتركي ما سيجعله في موقع تفاوضي أفضل، على أن تبقى الورقة الكردية هي ورقة فاعلة وكبيرة. من هنا يبدو الرهان السوري الروسي الايراني على تجاوب الكرد في المفاوضات معهم في تحسين شروط التفاوض وتجنب خيار الصدام.

3- صدام جزئي: وخلاصة هذا السيناريو أن يحصل صدام جزئي بين الأكراد وتركيا لا سيما في منبج، يُعقد على اثرها اتفاق بين الكرد من جهة وروسيا والحكومة السورية من جهة ثانية. لكن من الضروري الالتفات الى أن الانسحاب الاميركي من شرق الفرات إن تم، فإنه لا يعني انتهاء العلاقات الكرية الاميركية، لذلك ينبغي التذكير بأن واشنطن ستسعى جاهدة لعرقلة أي تفاهم سوري ـ كردي مدعوم روسياً.

بمعزل عن هذه السيناريوهات، فإن من الأوراق التي قد تلعبها واشنطن وتركيا هي اعادة زج ورقة "داعش" في شرق الفرات، ما سيعني محاولة لإلهاء الجيش السوري وحلفائه من جهة، والكرد من جهة ثانية في محاولة للتغلغل شرق الفرات باقل كلفة ممكنة. وغني عن القول إن عودة "داعش" ستشكل مظلة لتركيا لتغطية معاركها ضد الكرد وللسيطرة على شرق الفرات بعنوان محاربة الارهاب، علما أن تركيا وخلال جميع عملياتها في سوريا، لم تحارب "داعش" الا في موقعتين كانتا شكليتين وهما جرابلس ودابق، رغم أن تبريراتها كانت بعنوان محاربة "داعش".

وبالمحصلة، يمكن القول إن الانسحاب الأمريكي من سوريا ستكون له تداعيات كبيرة على مستقبل الاكراد في سوريا بل وعلى القضية الكردية برمتها، لأنهم سيصبحون صيداً سهلاً أمام تركيا، ولا يمكن تعويض الخسارة ولو جزئيا الا بالتفاوض مع الحكومة السورية التي أبدت مرات عدة استعدادها لإعطاء الكرد بعض الامتيازات ضمن اطار السيادة السورية.